شروط الأضحية من البقر

كتابة - آخر تحديث: ١٩:٠٣ ، ٣٠ مايو ٢٠٢٠
شروط الأضحية من البقر

حِكمة مشروعيّة الأُضحية

شرع الله -تعالى- الأُضحية في السنة الثانية للهجرة، قال -تعالى-: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)،[١] وتُتيحُ الأُضحية للعباد التقرُّب من ربّهم، وشُكره على ما مَنّ به عليهم، كما أنّ فيها استشعارٌ وإحياءٌ لسُنّة نبيّ الله إبراهيم -عليه السلام- مع ابنه إسماعيل -عليه السلام-، وذلك حين أمر الله -تعالى- إبراهيم بذَبحه، فاستجابا لأمره، إلّا أنّ الله حال بينه وبين ذَبْحه ابنه، وفَداه بكبشٍ عظيمٍ،[٢] كما أنّ في توزيع الأُضحية ومشاركتها مع الأقارب والمُحتاجين تكافلاً وتعاوُناً وسدّاً لحاجات الناس؛ تقرُّباً لله -تعالى- بالعطاء والبَذْل بإخلاص النيّة له وحده -جلّ جلاله-، كما أنّ فيه إظهارٌ لمعاني وحدة الأمّة الإسلاميّة في شَتّى بِقاع الأرض،[٣] وتُعَدّ الأُضحية مَظهراً من مظاهر عيد الأضحى التي تُحقّق البَهجة والفَرح للعبد؛ كبيراً كان أو صغيراً، غنيّاً أو فقيراً، وفيها إظهارٌ لنِعَمِ الله التي لا تُحصى، وهي تطبيقٌ لقَوْله -تعالى-: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)،[٤] ويتعلّم المسلم حُبّ الله، والامتثال لأوامره، والصبر عليها؛ إذ إنّ ذلك من صفات المؤمنين العابدين المُستشعِرين لِعَظَمته وحِكمته في المواقف كلّها.[٥]


شروط الأُضحية من البقر

البقر جنسٌ من الحيوانات يلحق الجاموس به، ويُطلَق على الذَّكر والأنثى منه، وتجدر الإشارة إلى أنّ الفُقهاء عادلوا بين البقر والجاموس في الأحكام؛ بالنَّظر إلى أنّهما من الجنس نفسه.[٦] أمّا شروط الأضحية من البقر، فهي على النحو الآتي:


الشروط الخاصّة

تعدّدت شروط الفقهاء في أُضحية البقر، وبيان تفصيلهم فيما يأتي:

  • الشافعيّة: قالوا بأنّ الأُضحية إمّا أن تكون من الإبل، أو البقر، أو الغنم ويلحقه الماعز؛ لقَوْل الله -تعالى-: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)،[٧] وتُعَدّ أُضحية البقر من أفضل الأضاحي بعد الإبل، ويُمكن أن يشترك فيها سبعة أشخاصٍ؛ استدلالاً بما أخرجه الإمام مسلم عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه-: (نَحَرْنَا مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ)،[٨] ويُشترَط في أُضحية البقر السِنّ؛ أي أن تكون قد دخلت في عامها الثالث، بالإضافة إلى خُلّوها من العيوب والأمراض التي قد تُسبّب نقصاً في اللحم، أو الهُزال فيها؛ لِما ورد عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: (أربعٌ لا تُجزئُ في الأضاحيِّ: العَوراءُ البيِّنُ عوَرُها، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعَرجاءُ البيِّنُ ظَلعُها، والكسيرةُ الَّتي لا تُنقي قالَ: فإنِّي أَكْرَهُ أن يَكونَ نقصٌ في الأذنِ، قالَ: فما كرِهْتَ منهُ، فدعهُ، ولا تحرِّمهُ على أحدٍ).[٩][١٠]
  • الحنفيّة: اشترطوا في الأُضحية أن تكون من الأنعام المُباح أكلها؛ من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الضأن، أو الماعز، وأفضلها الغنم، ويجوز اشتراك سبعة أشخاصٍ في بقرةٍ واحدةٍ، إلّا أنّ الأفضل ذَبْح الشاة إن تساوى اللحم مع السُّبع، ويٌشترَط في البقر عندهم أن تكون قد تجاوزت السنَتَين من العُمر، وسلامتها من العيوب والأمراض؛ فلا تصحّ الأُضحية بالعمياء، أو العوراء، أو العجفاء؛ وهي النحيفة جدّاً، أو المهزولة، أو العرجاء، أو مقطوعة الأُذن أو الذَّنَب، أو الهتماء؛ أي التي لا أسنان لها، أو الجلّالة؛ أي التي ترعى في أماكن النجاسات.[١١]
  • المالكيّة: اشترطوا لصحّة الأٌضحية أن تكون من الأنعام؛ أي من الغنم، ويلحق به الضأن والماعز، أو الإبل، أو البقر، ولا بُدّ في أُضحية البقر إدراك ثلاث سنواتٍ من العُمر، وقالوا بأفضليّة الضأن؛ لِما ورد عن الإمام البخاريّ عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: (كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُضَحِّي بكَبْشينِ، وأَنَا أُضَحِّي بكَبْشينِ)،[١٢] واشترطوا للاشتراك في الأُضحية من البقر أن يكون المُشتركون سبعة، ولا يصحّ الأكثر، كما اشترطوا سلامة الأُضحية من العيوب والأمراض الواضحة البَيِّنة؛ فلا تصحّ الأُضحية بالعوراء، أو العمياء حتى وإن كانت العين قائمةً، أو مقطوعة اليد، أو الرِجل، أو غيرهما، أو البَكماء، أو الصمّاء، أو البخراء؛ أي ذات رائحة الفم المُنتِنة، أو الصَّمعاء؛ أي صغيرة الأُذن، أو العَجفاء؛ أي الهزيلة أو النحيفة جدّاً، أو البتراء؛ أي مقطوعة الذَّنَب، أو المريضة البَيِّن مرضها، أو المجنونة جنوناً دائماً، أو العرجاء عَرَجاً بَيِّناً، أو الجرباء، وإن كانت العيوب السابقة خفيفةً فلا ضَرر.[١٣]
  • الحنابلة: اشترطوا في الأُضحية أن تكون من الإبل، أو البقر، أو الغنم، والبقر كالإبل؛ يُجزئ عن سبعةٍ، ويُشترَط في البقر أن تكون قد بلغت السنَتَين؛ لِما ورد في صحيح مسلم عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (لا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، إلَّا أنْ يَعْسُرَ علَيْكُم، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ)،[١٤] والمُسِنّة من البقر؛ مَن بلغت سنَتَين من عُمرها،[١٥] ويجوز اشتراك سبعة أشخاصٍ في أُضحية البقر؛ إذ يُجزئ السُّبع منها عن الشخص نفسه، وعن أهل بيته، ولا تجوز الزيادة على سبعةٍ؛ ليحصل الثواب من الأُضحية، ويتحقّق المقصود منها.[١٦]


الشروط العامة

تُشترَط في الأُضحية من البقر بعض الشروط العامّة لصحّة الذَّبْح، وبيانها فيما يأتي:[١٧]

  • كونها من بهيمة الأنعام؛ أي من الإبل، والبقر ومنه الجاموس، والغنم بكلّ أنواعه، وقد اتّفق العلماء على ذلك؛ لقَوْله -تعالى-: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)،[٧] وبذلك يجوز للمُضحّي أن يتّخذَ أيّاً من الأنعام السابقة أضحيةً له.[١٨]
  • إسلام المُضحّي أو الذّابح، وهو شرط صحّةٍ عند المالكيّة، ومُستحَبٌّ عند غيرهم.
  • أداء الأُضحية في وقتٍ مخصوصٍ؛ وكَرِه الحنفيّة الذَّبْح ليلاً كراهةً تنزيهيّةً، وقال المالكيّة بعدم صحّة الأُضحية إن كانت ليلاً، وقال الشافعيّة بأنّ الذَّبْح يكون من وقت صلاة الضحى من يوم النَّحر إلى غروب شمس آخر أيّام التشريق، ليلاً ونهاراً، مع كراهته ليلاً؛ استدلالاً بحديث جُبَير بن مطعم -رضي الله عنه-: (فكُلُّ فجاجِ منًى مَنحَرٌ وفي كلِّ أيَّامِ التَّشريقِ ذبحٌ)[١٩] واتّفق الحنابلة مع الشافعيّة، إلّا أنّهم قالوا بأنّ آخر الوقت هو غروب شمس اليوم الثاني من أيّام التشريق؛ وقد استدلّوا بحديث البراء بن عازب -رضي الله عنه-: (إنَّ أوَّلَ ما نَبْدَأُ به في يَومِنا هذا نُصَلِّي، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ).[٢٠][٢١]
  • السلامة من العيوب؛ إذ يجب أن يكون الحيوان المُضحّى به خالياً من أيّ عَيبٍ، أو نَقصٍ يضرّ باللحم، وقد اتّفق العلماء على أربعة عيوبٍ، وهي: العَوَر، والعَرَج، والمَرَض، والضَّعف أو الهُزال.


كيفيّة تذكية البقر

التذكية هي: الذَّبْح، أو النَّحْر، وتُذكّى الواحدة من البقر بجعلها على جانبها الأيسر على الأرض، بحيث تُوثَق وتُحكَم قوائمها الثلاث دون الرِّجْل اليُمنى، ويُمسِك الذابح رأس الأُضحية بِيده اليُسرى، والسكّين باليد اليُمنى، مع الحرص على توجيه الأُضحية والذابح إلى القِبلة، والبدء بالذَّبْح بعد التسمية والتكبير، بقَوْل: "بسم الله والله أكبر".[٢٢]


المراجع

  1. سورة الكوثر، آية: 2.
  2. عَبدالله الطيّار، عبدالله المطلق، محمَّد الموسَى (2011)، الفِقهُ الميَسَّر (الطبعة الأولى)، المملكة العربية السعودية-الرياض: مَدَارُ الوَطن للنَّشر، صفحة 117-118، جزء 4. بتصرّف.
  3. سليمان السحيمي (2003م)، الأعياد وأثرها على المسلمين (الطبعة الثانية)، المملكة العربية السعودية-المدينة المنورة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، صفحة 199. بتصرّف.
  4. سورة الضحى، آية: 11.
  5. "المبحث الثَّاني: ذَبحُ الأضْحِيَّةِ"، www.dorar.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-5-2020. بتصرّف.
  6. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1404-1427هـ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 158، جزء 8. بتصرّف.
  7. ^ أ ب سورة الحج، آية: 34.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم: 1318، صحيح.
  9. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم: 2562، صحيح.
  10. مُصطفى الخِنْ، مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي (1992م)، الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 233-234، جزء 1. بتصرّف.
  11. نجاح الحلبي، فقه العبادات على المذهب الحنفي، صفحة 206. بتصرّف.
  12. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 5553، صحيح.
  13. كوكب عبيد (1986م)، فقه العبادات على المذهب المالكي (الطبعة الأولى)، دمشق-سوريا: مطبعة الإنشاء، صفحة 397-396. بتصرّف.
  14. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم: 1963، صحيح.
  15. محمد العثيمين (1422-1428هـ)، الشرح الممتع على زاد المستقنع (الطبعة الأولى)، الأردن-عمان: دار ابن الجوزي، صفحة 424-426، جزء 7. بتصرّف.
  16. محمد العثيمين (1422-1428هـ)، الشرح الممتع على زاد المستقنع (الطبعة الأولى)، الأردن-عمان: دار ابن الجوزي، صفحة 428، جزء 7. بتصرّف.
  17. وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرَّابعة)، سوريا-دمشق: دار الفكر، صفحة 2709-2710، جزء 4. بتصرّف.
  18. وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرَّابعة)، سوريا-دمشق: دار الفكر، صفحة 2719، جزء 4. بتصرّف.
  19. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن جبير بن مطعم، الصفحة أو الرقم: 3854، أخرجه في صحيحه.
  20. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم: 1961، صحيح.
  21. وهبة الزُحيلي، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرَّابعة)، سوريا-دمشق: دار الفكر، صفحة 2717-2718، جزء 4. بتصرّف.
  22. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1404-1427هـ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 165، جزء 8. بتصرّف.