شعر على ضوء القمر

كتابة - آخر تحديث: ١٢:٤٨ ، ٣١ أكتوبر ٢٠١٨
شعر على ضوء القمر

الشعر

ذاك الكلام الذي يرسل للروح طمأنينة يصف معنى الكلام الذي لا جدوى منه، يجعل الحزن أبهى، والفرح أعظم، إن بالشعر لمنظومة عجيبة تجعلك دوما ترغب بالمزيد كلام لا يمل منه مهما وصفت دقة الأشياء تبقى الكلمات التي يحتويها الشعر تصف لنا مشاعرنا المكنونة التي نحاول دائماً أن نخفيها ونواريها عن عيون الأجمعين، والشعر الذي يكتب على ضوء القمر كلاماً إستثنائياً يحتضننا بغربة الليل المهاجر.


حزن في ضوء القمر لمحمد الماغوط

أيها الربيعُ المقبلُ من عينيها


أيها الكناري المسافرُ في ضوء القمر


خذني إليها


قصيدةَ غرامٍ أو طعنةَ خنجر


فأنا متشرّد وجريح


أحبُّ المطر وأنين الأمواج البعيدة


من أعماق النوم أستيقظ


لأفكر بركبة امرأة شهيةٍ رأيتها ذات يوم


لأعاقرَ الخمرة وأقرضَ الشعر


قل لحبيبتي ليلى


ذاتِ الفم السكران والقدمين الحريريتين


أنني مريضٌ ومشتاقٌ إليها


انني ألمح آثار أقدام على قلبي


دمشقُ يا عربةَ السبايا الورديه


وأنا راقدٌ في غرفتي


أكتبُ وأحلم وأرنو إلى المارة


من قلب السماء العاليه


أسمع وجيب لحمك العاري


عشرون عاماً ونحن ندقُّ أبوابك الصلده


والمطر يتساقط على ثيابنا وأطفالنا


ووجوهِنا المختنقةِ بالسعال الجارح


تبدو حزينةً كالوداع صفراءَ كالسلّ


ورياحُ البراري الموحشه


تنقلُ نواحنا


إلى الأزقة وباعةِ الخبزِ والجواسيس


ونحن نعدو كالخيولِ الوحشية على صفحاتِ التاريخ


نبكي ونرتجف


وخلف أقدامنا المعقوفه


تمضي الرياحُ والسنابلُ البرتقاليه


وافترقنا


وفي عينيكِ الباردتين


تنوح عاصفةٌ من النجوم المهروله


أيتها العشيقةُ المتغضّنة


ذات الجسد المغطَّى بالسعال والجواهر


أنتِ لي


هذا الحنينُ لك يا حقوده


قبل الرحيل بلحظات


فأنا على علاقة قديمة بالحزن والعبودية


وقربَ الغيوم الصامتة البعيدة


كانت تلوح لي مئاتُ الصدور العارية القذرة


تندفع في نهر من الشوك


وسحابةٌ من العيون الزرقِ الحزينة


تحدقُ بي


بالتاريخ الرابضِ على شفتيّ


يا نظراتِ الحزن الطويله


يا بقع الدم الصغيرة أفيقي


إنني أراكِ هنا


على البيارقِ المنكَّسه


وفي ثنياتِ الثياب الحريرية

وأنا أسير كالرعد الأشقرِ في الزحام


تحت سمائك الصافية


أمضي باكياً يا وطني


أين السفنُ المعبأةُ بالتبغ والسيوف


والجاريةُ التي فتحتْ مملكةً بعينيها النجلاوين


كامرأتين دافئتين


كليلة طويلةٍ على صدر أنثى أنت يا وطني


إنني هنا شبحٌ غريبٌ مجهول


تحت أظافري العطرية


يقبعُ مجدك الطاعن في السن


في عيون الأطفال


تسري دقاتُ قلبك الخائر


لن تلتقي عيوننا بعد الآن


لقد أنشدتُكَ ما فيه الكفاية


سأطل عليك كالقرنفلةِ الحمراء البعيدة


كالسحابةِ التي لا وطن لها


وداعاً أيتها الصفحات أيها الليل


أيتها الشبابيكُ الأرجوانية


انصبوا مشنقتي عاليةً عند الغروب


عندما يكون قلبي هادئاً كالحمامة


جميلاً كوردةٍ زرقاء على رابية


أودُّ أن أموتَ ملطخاً


وعيناي مليئتان بالدموع


لترتفعَ إلى الأعناق ولو مرة في العمر


فإنني مليء بالحروفِ والعناوين الدامية


في طفولتي


كنت أحلم بجلبابٍ مخططٍ بالذهب


وجواد ينهب في الكرومَ والتلال الحجرية


أما الآن


وأنا أتسكَّعُ تحت نورِ المصابيح


أنتقل كالعواهرِ من شارعٍ إلى شارع

أشتهي جريمةً واسعة


وسفينةً بيضاء تقلّني بين نهديها المالحين


إلى بلادٍ بعيدة


حيث في كلِّ خطوةٍ حانةٌ وشجرةٌ خضراء


شعر محمود درويش

سألّم جثتك الشهيدة


وأذيبها بالملح والكبريت


ثم أعبّها


كالشاي


كالخمر الرديئة


كالقصيدة


في سوق شعر خائب


وأقول للشعراء:


يا شعراء أمتنا المجيدة


أنا قاتل القمر الذي


كنتم عبيدة


سيقال: كالمتسول المنفي كان


ردّوه عن كل النوافذ


وهو يبحث عن حنان


لا عاشقان


يتذكّران


قلبي على قمر


تحجّر في مكان


ويقال كان


وأنا على الإسفلت


تحت الريح والأمطار


مطعون الجنان


لا تفتح الأبواب في وجهي


ولا تمتد نحو يدي يدان


عيني على قمر الشتاء


وقد ترمّد في دمي


قلبي على قرص الدخان


لا تظلموني أيّها الجبناء


لم أقتل سوى نذل جبان


بالأمس عاهدني


وحين أتيته في الصبح خان.


شعر فدوى طوقان

أوت الى الحقل كطيف كئيب

يرسو بعينها أسى غامر


في روحها اللهفى اضطراب

غريب وقلق مستبهم ، خائر


غامضة، في العمق أغوارها

فيض انفعالات وإحساس


صيّرها شذوذ أطوارها

غريبة في عالم الناس


تأملت في السنبل الوادع

يموج في الحقل زكيّا نماه


تكاد في سكونها الخاشع

تسمع في السنبل نبض الحياه


وفي رؤى خيالها الشارد

منجذباً بروعة السنبل


لاحت لعينيها يد الحاصد

يخفق فيها شبح المنجل


رأت رغيفا جبلته دموع

دموع مكدودين مستضفين


أنضاء حرمان وبؤس وجوع

هانوا على الرحمة والراحمين


رأته في كفّ غنيّ بخيل

سطت عليه يده الجانيه


الخبز في كيانه يستحيل

خلجات شح كزّةً قاسية


ومدّت الأفكار أظلالها

فلم تزل شاخصة في وجوم


من أبصر استغراقها خالها

مخبولة تهيم فوق الغيوم


كانت تناجي ما وراء الفضاء

قوى القضاء الغامض المبهم


من يمطر الرزق على ذي الثراء

ويمسك الرزق عن المعدم


كم بائس، كم جائع، كم فقير

يكدح لا يجني سوى بؤسه


ومترف يلهو بدنيا الفجور

قد حصر الحياة في كأسه


أرحمه الله بعليا سماء تقول

أن يكتظّ جوف الثري


ويحرم المعوز قوت الحياة

في عيشه المضطرب الأعسر


أليس في قدرته القادرة

أن يمسح البؤس ويمحو الشقاء


أليس في قوّته القاهره

أن يغمر الأرض بعدل السماء


وراعها صوت عميق مثير

جلجل فيها مثل صوت القدر


لم تحبس السماء رزق الفقير

لكنه في الأرض ظلم البشر

وأطرقت نهباً لشك مريب

يملؤها منه أسىً غامر


في روحها اللهفى اضطراب

غريب وقلق مستبهم حائر