صيام ليلة النصف من شعبان

كتابة - آخر تحديث: ١٩:٢٩ ، ١٦ يونيو ٢٠٢٠
صيام ليلة النصف من شعبان

شهر شعبان

يُطلق اسم شعبان على الشهر، وجمعه شعبانات وشعابين، وسُمي بهذا الاسم؛ لأنّ العرب كانت تتشعب فيه طلباً للماء، أو للغارات، وقيل لأنه يأتي شَعَب؛ أي يأتي بين شهرين وهُما رجب ورمضان.[١]


صيام ليلة النصف من شعبان

صيام ليلة النصف من شهر شعبان هو أمرٌ غير جائز؛ فليس لهذه الليلة ميزة عن غيرها، فهي ليلة كباقي الليالي، وكُل ما ورد في فضلها من صيام هو ضعيف؛ كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن النبي -عليه السلام- أنّه قال: (إذا كانت ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ فقوموا ليلَها ، وصوموا نَهارَها، فإنَّ اللَّهَ يَنزِلُ فيها لغُروبِ الشَّمسِ إلى سماءِ الدُّنيا، فيقولُ: ألا من مُستغفِرٍ لي فأغفرَ لَه، ألا مُسترزِقٌ فأرزقَهُ ألا مُبتلًى فأعافيَهُ ألا كذا ألا كذا حتَّى يطلُعَ الفجرُ)،[٢] وقد بيّن جماهير العُلماء ذلك، وجاء عن ابن رجب أنّ عُلماء الحجاز؛ كعطاء، وابن أبي مليكة، وفُقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك ذهبوا إلى أنّ تخصيص صيام ذلك اليوم مما لا يُسنّ فعله، ولكنّ صيامه على أنّه من الأيام البيض لا شيئ فيه، وكذلك في حقّ من اعتاد الصيام فلا شيء عليه؛[٣] فالصوم بشكلٍ عام من العبادات المشروعة، ولم يُحدده الشرع بأوقاتٍ دون أُخرى، فإذا حدده الإنسان بوقتٍ أو يومٍ مُحدد؛ كليلة النصف من شعبان فذلك خلاف ما شرعه الله -تعالى-.[٤]


وصيام ليلة النصف من شهر شعبان مسنون إذا كان ذلك بنيّة صيامه على أنّه من الأيام البيض التي يُسنّ صيامها، وليس صيامها على أنّها ليلة النصف من شعبان، والأيام البيض هي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كُل شهر هجري،[٥] ويدُلّ على مشروعيّة صيام الأيام البيض ما ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه أمر عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا الدرداء، وأبا هُريرة -رضي الله عنهم- بصيام هذه الأيام، ومن ذلك ما ورد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: (قَالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ بحَسْبِكَ أنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، فإنَّ لكَ بكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثَالِهَا، فإنَّ ذلكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ)،[٦] ويجوز صيامها أحياناً وتركها أحياناً أخرى، والأفضل المُحافظة عليها،[٧] وأمّا من لم يكُن من عادته صيامها وخصّ ليلة النصف من شعبان بالصيام مُعتقداً أنّها أفضل من غيرها فذلك خلاف السُنة.[٨]


حكم قيام ليلة النّصف من شعبان

ذهب الفُقهاء إلى استحباب قيام ليلة النصف من شعبان، وجاءت أقوالهم كما يأتي:

  • الحنفية: يُسنّ قيام خمسة ليالٍ خلال العام ومنها ليلة النصف من شعبان؛ لما فيها من تكفير الذُنوب، وإجابة الدُعاء، واستدلوا ببعض الأحاديث الضعيفة، منها قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (خَمْسُ لَيَالٍ لا تُرَدُّ فيهن الدعوةُ : أولُ ليلةٍ من رجبٍ ، وليلةُ النِّصفْ من شعبانَ وليلةُ الجُمُعةِ ، وليلةُ الفِطْرِ ، وليلةُ النحرِ)، وحديث النبي -عليه الصلاة والسلام-: (من أحيا ليلتَيِ العيدِ وليلةَ النِّصفِ من شعبانَ لم يَمُت قلبُهُ يومَ تموتُ فيهِ القلوبُ)،[٩][١٠][١١] ويُؤكّد ذلك قول ابن نُجيم من الحنفية: إنّ من الليالي التي يُندب قيامُها خمسُ ليالٍ وهي ليالي العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، لما جاءت به الأحاديث في بيان فضلها.[١٢]
  • الحنابلة: يُستحب قيام ليلة النصف من شعبان، لما ورد من أحاديث في بيان فضل ذلك، وكان بعض السلف يقومها بالصلاة، ويُكره الاجتماع لقيامها في المساجد.[١٣][١٤]
  • الشافعية: يُستحب قيام ليلة النصف من شعبان، والإكثار فيها من الدُعاء، مع أنّ الأحاديث التي جاءت في فضلها ضعيفة ولكنّ العُلماء تساهلوا بها؛ لأنّها من فضائل الأعمال، وجاء عن الشافعي أنّه قال: أستحب قيامها بالدُعاء والذكر.[١٥][١٦]
  • المالكية: يُستحب قيام ليلة النصف من شعبان؛ لما فيها من الرحمة، فقد ورد عن عمر بن عبد العزيز أنّه كتب إلى عدي بن أرطاة يحثُه على قيام أربعة ليال ومنها ليلة النصف من شعبان؛ فقال: عليك بأربع ليال من السنة فإن الله يفرغ الرحمة فيها افراغاً؛ أوّلها ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتا العيد،[١٧] وقد صرّحت بعض كُتب المالكيّة في الترغيب بقيامها.[١٨]


وذهب الهيثمي إلى استحباب قيامها، على أنّها من الليالي التي لها ميزة وفضل عن غيرها من الليالي، ومن قامها بالصلاة والدُعاء والذكر كان ممن ترجى إجابة دعاءه وقبوله في هذه الليلة، بالإضافة إلى أنّ قيام الليل من العبادات المُستحبّة، واستدل بحديث النبي -عليه الصلاة والسلام-: (يطَّلِعُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى خلقِه لَيلةَ النَّصفِ مِن شعبانَ، فيغفِرُ لعبادِه إلَّا لِاثنَينِ: مُشاحنٍ، وقاتلِ نفْسٍ)،[١٩] ومن أراد قيام هذه الليلة فلا بُدّ له من الانتباه إلى عدّة أُمور نبّه إليها العُلماء، وهي كما يأتي:[٢٠]

  • استحباب قيامها يكون بشكلٍ فرديّ، بين العبد وربه، ويُكره قيامها في جماعة كما نص على ذلك الفُقهاء الأربعة في مذاهبهم.
  • يُكره تخصيص صلاة مُعيّنة لهذه الليلة، أو كما يُسمّيها البعض باسم الصلاة الألفيّة، التي تكون عن مائة ركعة يقرأ فيها سورة الإخلاص عشر مرات بعد سورة الفاتحة؛ فذلك ليس من الشرع في شيء، وإنّما يُصلي الشخص ما تيسّر له، مع حرصه على الإكثار من الدُعاء والإلحاح على الله -تعالى- بتلبية حاجاته.


المراجع

  1. " شهر شعبان"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 17-5-2020. بتصرّف.
  2. رواه الألباني، في ضعيف ابن ماجه، عن علي بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم: 261، ضعيف جداً أو موضوع.
  3. أبو النجا موسى بن أحمد، شرف الدين الحجاوي، شرح زاد المستقنع الحجاوي، صفحة 7-8، جزء 5. بتصرّف.
  4. محمد بن إبراهيم بن عبد الله التويجري (2009)، موسوعة الفقه الإسلامي (الطبعة الأولى)، الأردن: بيت الأفكار الدولية ، صفحة 527، جزء 4. بتصرّف.
  5. لجنة الفتوى بالشبكة الإسلامية (2009)، فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 678، جزء 8. بتصرّف.
  6. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 1975، صحيح.
  7. الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مجلة البحوث الإسلامية - مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، صفحة 126، جزء 30. بتصرّف.
  8. أبو مالك كمال بن السيد سالم (2003)، صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، القاهرة: المكتبة التوفيقية، صفحة 136، جزء 2. بتصرّف.
  9. رواه ابن الجوزي، في العلل المتناهية، عن كردوس ، الصفحة أو الرقم: 2/562، لا يصح وفيه آفات.
  10. رواه الألباني، في ضعيف الجامع، عن أبو أمامة الباهلي، الصفحة أو الرقم: 2852، موضوع.
  11. حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (2005)، مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح (الطبعة الأولى)، لبنان: المكتبة العصرية، صفحة 151. بتصرّف.
  12. زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم (بدون تاريخ)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (الطبعة الثانية)، القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، صفحة 56، جزء 2. بتصرّف.
  13. موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، بيروت: دار المعرفة ، صفحة 154، جزء 1. بتصرّف.
  14. منصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتى، كشاف القناع عن متن الإقناع، لبنان: دار الكتب العلمية ، صفحة 444، جزء 1. بتصرّف.
  15. محمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف (1998)، الإرشاد إلى سبيل الرشاد (الطبعة الأولى)، لبنان: مؤسسة الرسالة، صفحة 525. بتصرّف.
  16. عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (2011)، شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ (الطبعة الأولى)، السعودية: دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع ، صفحة 328، جزء 2. بتصرّف.
  17. شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد المعروف بـ زروق (2006)، شرح زروق على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 479، جزء 1. بتصرّف.
  18. محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف أبو عبد الله المواق (1994)، التاج والإكليل لمختصر خليل (الطبعة الأولى)، لبنان: دار الكتب العلمية، صفحة 319، جزء 3. بتصرّف.
  19. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن عبدالله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 6642، صحيح بشواهده.
  20. " حكم إحياء ليلة النصف من شعبان"، www.aliftaa.jo، 11-6-2014، اطّلع عليه بتاريخ 18-5-2020. بتصرّف.