فضل صيام عرفة

كتابة - آخر تحديث: ٠٧:٠٢ ، ١٢ سبتمبر ٢٠١٧
فضل صيام عرفة

الصِّيام

شرع الله سبحانه وتعالى العبادات وكلَّف بها عباده من النَّاس والجنِّ جميعاً، كما جاء في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)،[١] وقد كلَّف الله تعالى عباده بجملةٍ من العبادات من صلاةٍ وزكاةٍ وحجٍّ وعمرة وذكرٍ وتلاوةٍ للقرآن وصيامٍ، ومن هذه العبادات ما يؤدَّى فرضاً، ومنها ما يؤدِّيه العبد نفلاً وتطوعاً منه زائداً على ما افترضه الله تعالى عليه، فالصَّلوات الخمس مثلاً هي ما فرضه الله تعالى وأوجبه على عباده، وقد يصلي العبد غيرها من النَّوافل على وجه الاستحباب والنَّدب، وكذلك الصِّيام، فقد فرض الله تعالى شهر رمضان على المسلمين، وما سوى صيام رمضان يعدُّ نافلةً وتطوّعاً من العباد يؤدُّونه قربةً إلى الله وطمعاً في مزيدٍ من الأجر والثَّواب، ومن أمثلة صيام النَّافلة والتَّطوع المستحب: صيام يوم عرفة، وتالياً تعريفٌ بالصِّيام وحكمة تشريعه، وحديثٌ عن يوم عرفة، وبيانٌ لفضل وثمرة صيامه.


تعريف الصِّيام

معنى الصِّيام

الصِّيام في اللغة مأخوذٌ من الجذر اللغوي صوم، الصَّاد والواو والميم أصلٌ واحدٌ دالٌّ على الإمساك والرُّكود، فيقال: صام عن الكلام إذ أمسك عنه والتزم الصَّمت، كما جاء في قول الله تعالى حكايةً عن مريم عليه السَّلام: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)،[٢] ويقال للريح إذا سكنت وركدت: صامت الريح، ومنه عبادة الصَّوم؛ لأنَّها إمسكاكٌ عن المفطِّرات.[٣] أمَّا الصِّيام في الاصطلاح الشَّرعي، فهو الإمساك عن الطَّعام والشَّراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس مع النِّيَّة.[٤]


حكمة تشريع الصِّيام

إنَّ لتشريع الصِّيام حِكماً جليلةً ومعانٍ وغاياتٍ عظيمةٍ قصدها الله تعالى وأرادها، فالصِّيام سبيلٌ ليتذكّر المسلم من خلاله نعم الله تعالى وفضله عليه؛ إذ لا يشعر بالنِّعمة وقدرها إلا من فقدها وحُرِم منها، فإنْ فقد المرء الشيء شعر بقيمته أكثر؛ ممّا يدفعه لأداء حقِّ هذه النِّعم بشكر الله تعالى وحمده عليه، كما أنَّ الصِّيام وسيلةٌ للإحساس بشعور المساكين والفقراء وتحمُّل ما يتحملون وملاقاة ما يلاقون؛ ممَّا يزيد في نفسه معاني الرحمة تجاههم، ويدفعه ذلك للإحسان إليهم، وفي الصِّيام كذلك تعزيزٌ لتقوى الله تعالى في نفس المسلم؛ إذ يمتنع عمَّا أحلَّ الله تعالى له من الطَّعام والشَّراب ويلزم نفسه ويحكمها ويضبط شهوتها؛ امتثالاً لأمر الله تعالى، فتنقاد نفسه لأمر الله تعالى في الامتناع عمَّا هو حلال؛ ممّا يدفعه للامتناع عمَّا هو حرامٍ من باب أولى.[٥]


يوم عرفة

يوم عرفة هو اليوم التَّاسع من شهر ذي الحجَّة، وعرفة هو اسمٌ للموقف المعروف الذي لا يتمُّ الحجُّ لحجَّاج بيت الله الحرام إلا بالوقوف عليه كأحد مناسك الحجِّ، وحدود عرفة من الجبل الذي يُشْرِف على (منطقة بطن عُرَنَةَ إلى الجبال المقابلة إلى ما يلي حوائط بني عامر).[٦]


في يوم عرفة يقف حجَّاج بيت الله الحرام بالوقوف بعرفة الذي يعدُّ ركناً من أركان الحجِّ باتِّفاق العلماء، وقد ثبتت ركنيَّة الوقوف بعرفة في السُّنَّة والإجماع، ففي السُّنَّة ما جاء من حديث رسول الله -عليه الصَّلاة والسَّلام- في ما رواه عبد الرحمن الديلمي -رضي الله عنه- قال: (شَهِدْتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بعَرفةَ وأتاهُ ناسٌ من نَجدٍ، فأمَروا رجلًا، فسألَهُ عنِ الحجِّ، فقالَ: الحجُّ عرفةُ، مَن جاءَ ليلةَ جمعٍ قبلَ صلاةِ الصُّبحِ فقد أدرَكَ حجة ، أيَّامُ منًى ثلاثةُ أيَّامٍ، مَن تعجَّلَ في يومينِ فلا إثمَ عليهِ، ومَن تأخَّرَ فلا عليهِ ، ثمَّ أردَفَ رجلًا ، فجعلَ يُنادي بِها في النَّاسِ)،[٧] وكذلك إجماع الأمة المنعقد على أنَّ الوقوف بعرفة ركنٌ من أركان الحجِّ، وأنَّ فواته يعني فوات الحجِّ، وأنَّ الإخلال بشرطٍ من شروطه (كالوقوف بعرفة) يعني فوات الحجِّ كذلك، وشروط الوقوف بعرفة المتَّفق عليها بين الفقهاء هي:[٥]

  • أن يكون الوقوف في حدود عرفة ومنطقته لا خارجها.
  • أن يكون الوقوف في الزَّمن الذي حدَّده الشَّرع؛ أي في اليوم التَّاسع من شهر ذي الحجة حتى طلوع فجر اليوم العاشر من شهر ذي الحجة.


فضل صيام يوم عرفة

إنَّ ليوم عرفة فضلٌ عظيمٌ دلَّت عليه نصوصٌ كثيرةٌ من السُّنَّة النَّبويَّة، فيوم عرفة كما روت أمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- هو أكثر الأيام التي يعتق الله تعالى فيها عباداً من النَّار، فقد جاء في الحديث الشَّريف: (ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتِقَ اللهُ فيهِ عبدًا من النارِ من يومِ عرفةَ، وإنَّهُ ليدنو ثم يُباهي بهم الملائكةُ، فيقول: ما أراد هؤلاءِ؟).[٨]


أمَّا في ما يتعلق بصيام يوم عرفة، فقد ورد في فضله أنَّ الله تعالى يكفِّر عن صائمه ذنوب سنةٍ مضت وسنةٍ قادمة، فقد روي عن النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنَّه قال: (صيامُ يومِ عرفةَ، إنّي أَحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعده)،[٩] وتكفير الذنوب كما يقول العلماء متعلِّقٌ بالصَّغائر من الذُّنوب دون الكبائر؛ لما ورد في قوله تعالى: (إِإِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ).[١٠]


وصيام يوم عرفة مستحبٌّ ومندوبٌ إليه بالنِّسبة لغير الحُجَّاج، أمَّا الحُجَّاج فقد اختلف جمهور العلماء بين كراهة صومهم لعرفة وتحريمهم له، فمن الأولى للحاجِّ أن ينشغل بالذكر والدعاء أثناء وقوفه بعرفة؛ لأنَّه إن صام ربَّما انشغل فكره في الطعام والشَّراب وتحضيره، فقد كُرِهَ أو تحريم صيام عرفة في حقِّ الحُجَّاج؛ ليتفرغوا للذكر والدعاء والعبادة في هذا الموطن والوقت المبارك.[١١]


المراجع

  1. سورة الذاريات، آية: 56.
  2. سورة مريم، آية: 26.
  3. ابن فارس (1979)، مقاييس اللغة، دمشق: دار الفكر، صفحة 323، جزء 3. بتصرّف.
  4. سعيد القحطاني (2010)، الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسُّنة (الطبعة الثانية)، الرياض: مركز الدعوة والإرشاد، صفحة 6-7. بتصرّف.
  5. ^ أ ب مجموعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 8-9، جزء 28. بتصرّف.
  6. مجموعة من العلماء، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية، صفحة 315-318، جزء 45. بتصرّف.
  7. رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، الصفحة أو الرقم: 3044.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة بنت أبي بكر، الصفحة أو الرقم: 1348.
  9. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي قتادة الأنصاري، الصفحة أو الرقم: 1162.
  10. سورة النساء، آية: 31.
  11. يحيى بن موسى الزهراني، "صوم يوم عرفة"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 16-8-2017. بتصرّف.
1014 مشاهدة