فضل قيام الليل في استجابة الدعاء

كتابة - آخر تحديث: ٠٥:١٣ ، ١٦ يونيو ٢٠٢٠
فضل قيام الليل في استجابة الدعاء

فَضْل قيام الليل في استجابة الدعاء

قيام الليل؛ من أجلّ العبادات وأزكاها؛ لِما فيها من إخلاصٍ، وخشيةٍ، لا تضاهيها أيّ عبادةٍ أخرى، وعلى المسلم المُحبّ لربّه الذي يسعى لنَيْل رضاه ونعمائه، أن يتحرّى على الدوام قيام الليل والناس نيامٌ، ففيه ساعةٌ من أنفس الساعات عند الله -عزّ وجلّ-، كما جاء في الحديث عن الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أنّه قال: (سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: إنَّ في اللَّيْلِ لَسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِن أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَذلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)،[١][٢] فالقيام في الليل، وخاصّةً في ثُلثه الأخير أدعى لإجابةِ الدّعوات؛ وممّا ورد في فَضْل ذلك ما جاء عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حيث قال: (أقرَبُ ما يَكونُ الرَّبُّ منَ العبدِ في جوفِ اللَّيلِ الآخرِ ، فإن استَطعتَ أن تَكونَ مِمَّن يذكرُ اللَّهَ في تلكَ السَّاعةِ فَكُن)،[٣] ففي الليل يدعو العبدُ الله -عزّ وجلّ- بما يُحبّ ويتمنّى، وكذلك في الصَّلاة يجوز أن يطلبَ من ربّه -تعالى- ما يشاء، من قضاء حوائجه في الدُّنيا والآخرة.[٤]


فضائل قيام الليل والدعاء

فَضْل قيام الليل

قيام الليل عبادةٌ عظيمةٌ، وهي سُنّةٌ مُؤكّدةٌ عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وقد جاءت النُّصوص المتواترة في الكتاب والسُّنّة ببيانِ أفضليّتها، والحضّ على أدائها والأجر المترتّب على ذلك، وأنّ من يُحافظُ على هذه الراتبة العظيمة؛ يكون عند الله -تعالى- بمنزلة أوليائه وعباده المصطَفين، فقد أثنى الله -تعالى- عليهم، ورفع قدرهم، كما في قوله -عزّ وجلّ-: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ*لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)،[٥] وجاء مديح الله -تعالى- لهذه الفئة المُؤمنة التَّقيّة، والثناء عليها في مواطن كثيرةٍ من كتابه العزيز؛ بما يقومون به من أعمالٍ جليلةٍ، وصفاتٍ جميلةٍ، وأخصّها عبادة قيامُ االلّيل، فجاء في قوله -تعالى-: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ*تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ*فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)،[٦] وممّا يُؤكّد عِظَم قدْر هذه العبادة الخفيّة، وأنّها من أسباب الفوز بالجِنان، ورضا الملك الرحمن، والنّجاة من النيران، ما قاله الله -تبارك وتعالى- في كتابه: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ*فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ).[٧][٨]


وجاءت صفات المتَّقين في كتاب الله -تعالى- بأكثر من موضعٍ تُشير إلى فوزهم بجنّات النعيم، ففي سورة الذاريات قال الله -تعالى-: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ*كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)،[٩] ويتحقّق في صلاة الليل الثبات على الحقّ، والإيمان والتثبيت، والإعانة في القيام بالأعمال، وما فيه صلاحٌ وإصلاحٌ للعباد، والسَّعادة في الحال، والراحة في البال، وهذا من جليل فَضْلها، فقد قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا*نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا*أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا*إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا*إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا)،[١٠] وقد وردت أحاديثٌ كثيرةٌ في بيان أهميّة هذه العبادة اللّيليّة؛ ومنها ما ثبت في الصحيحَين، أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له)،[١١] وما رواه الصحابيّ الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (سُئِلَ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقالَ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، الصَّلَاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، صِيَامُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ).[١٢][٨]


فَضْل قيام الليل من القرآن

تترتّب على قيامِ اللّيل أجورٌ وفيرةٌ، وفضائل كثيرةٌ، وسعادةٌ كبيرةٌ في الدّنيا والآخرة، وذلك فيما حوت نصوص الكتاب والسّنّة من أفضليّتها، وقد اكتظّت الأدلّة بفَضْلِ قيام الليل، وممّا ورد في الكتاب:[١٣]

  • قَوْله -تعالى-: (وَمِنَ الْلّيْلِ فَتَهَجّدْ بِهِ نَافِلَةً لّكَ عَسَىَ أَن يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقَاماً مّحْمُوداً)،[١٤] وهذا الأمر في الآية الكريمة؛ وإن كان مُوجّهاً للنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-؛ فإنّه مُوجّهٌ كذلك لعامّةِ الأمّة من المسلمين، فهم داخلون في هذا الأمر، ومطالبون في أدائه، فإنّه ليس أمراً خاصّاً بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وحده.
  • ثناء الله -عزّ وجلّ- في كتابه على القائمين ليلاً، ووصْفهم بالإحسان، حيث قال -تعالى-: (إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ*آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبّهُمْ إِنّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ*كَانُواْ قَلِيلاً مّن اللّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ).[١٥]
  • إعلاء الله -تعالى- شأن مَن يقومون الليل، وعدّهم من عباده المتّقين الأبرار، قال الله -تعالى-: (وَعِبَادُ الرّحْمََنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً*وَالّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجّداً وَقِيَاماً).[١٦]
  • عدم تسويتهم بغيرهم، فقال -تعالى-: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).[١٧]
  • حثّ الله -تعالى- على قيام الليل، وبيّن أنّها أشدّ توافُقاً مع الحفظ وأبلغ، فجاء أمره سبحانه لنبيّه -صلّى الله عليه وسلّم- بتخصيص وقتٍ له في جوف الليل، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا*نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا*أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا*إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا*إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا*إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا*وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا).[١٨]
  • إدخالهم في جملةِ صفات عباد الرحمن، فقال -سبحانه وتعالى-: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا).[١٩]
  • بيان الله -تعالى- أنّ هذه العبادة هي عبادةٌ غنيّةٌ في الأجر، وجعل جزاءها رفيعاً عالياً عنده، فهي من أعمال الخفاء والاستتار في جُنح الظُّلَم، فقد قال في كتابه العزيز: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).[٢٠]


فَضْل قيام الليل من السنّة

ورد في السُّنّة من فَضْل قيام الليل ما يأتي:[١٣]

  • إقرار السُّنّة بعظيم فَضْل قيام الليل، كما جاء في الأحاديث الصحيحة التي بيّنت ذلك، واعتبرتها بعد الفريضة في المكانة عند الله -تعالى-، فقد قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (أَفْضَلُ الصِّيامِ، بَعْدَ رَمَضانَ، شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وأَفْضَلُ الصَّلاةِ، بَعْدَ الفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ).[٢١]
  • قيام الليل دأبُ عباد الله الصالحين، وبابٌ واسعٌ في الحطّ من الخطايا والسَّيّئات، ونيلٌ جسيمٌ في الأجور والحسنات، فقد قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (عليكُم بقيامِ اللَّيلِ، فإنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحينَ قبلَكُم، وقُربةٌ إلى اللهِ تعالى ومَنهاةٌ عن الإثمِ وتَكفيرٌ للسِّيِّئاتِ، ومَطردةٌ للدَّاءِ عن الجسَدِ).[٢٢]
  • قيامُ الليل سببٌ لنيل الجنان من الرحمن، حيث قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ).[٢٣]
  • قيامُ الليل سببٌ للوقاية من الفِتَن، والنَّجاة منها، وهي استعدادٌ عظيمٌ من الحسنات للآخرة، فقد جاء عن أمّ سلمة -رضي الله عنها- أنّها قالت: (اسْتَيْقَظَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيْلَةً فَزِعًا، يقولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الخَزَائِنِ، ومَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ، مَن يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ -يُرِيدُ أزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ- رُبَّ كَاسِيَةٍ في الدُّنْيَا عَارِيَةٍ في الآخِرَةِ).[٢٤]
  • قيام الليل سببٌ في تحقيق صفاء النّفس وتزكيتها، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحَيْن عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ علَى قَافِيَةِ رَأْسِ أحَدِكُمْ إذَا هو نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فأصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وإلَّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ).[٢٥]
  • كَرِهَ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- نوم الليل كاملاً، فقد جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنّه قال: (ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلٌ، فقِيلَ: ما زَالَ نَائِمًا حتَّى أَصْبَحَ، ما قَامَ إلى الصَّلَاةِ، فَقالَ: بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنِهِ).[٢٦]
  • أمر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للإمام عليّ وابنته فاطمة -رضي الله عنهما- بالحثّ والوصيّة، والحرص على هذه العبادة النافعة، فقد ورد في السُّنّة: (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ طَرَقَهُ وفَاطِمَةَ بنْتَ النبيِّ عليه السَّلَامُ لَيْلَةً، فَقالَ: أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذلكَ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شيئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وهو مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وهو يقولُ: {وَكانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شيءٍ جَدَلًا).[٢٧]
  • قيام الليل شرفٌ للمؤمن، فقد قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (أتاني جبريلٌ، فقال: يا محمدٌ! عشْ ما شئتَ فإنكَ ميتٌ، وأحببْ منْ شئتَ فإنكَ مفارقُهُ، واعملْ ما شئتَ فإنكَ مجزيٌّ بهِ، واعلمْ أنْ شرفَ المؤمنِ قيامُهُ بالليلِ، وعزَّهُ استغناؤهُ عنِ الناسِ).[٢٨]
  • الحثّ من النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للأزواج والَّزوجات بالتّعاون بينهم على أداء عبادة قيام الليل، حيث قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (رحمَ اللَّهُ رجلًا قامَ منَ اللَّيلِ فصلَّى ، ثمَّ أيقظَ امرأتَهُ فصلَّت فإن أبَت نضحَ في وجهِها الماءَ ورحمَ اللَّهُ امرأةً قامَت منَ اللَّيلِ فصلَّت ، ثمَّ أيقَظَت زوجَها فصلَّى فإن أبى نضحَت في وجهِهِ الماءَ).[٢٩]


فَضْل الدعاء

يترتّب على الدّعاء أثرٌ جليلٌ، فالدعاء عبادةٌ بالغةٌ الأهميّة، وواسعة الآثار، وقد رغّب الله -تعالى- كثيراً عليها، كما أشاد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بفضلها الكبير، فكان الدّعاء من أسباب النَّصر للمسلمين في الغزوات، ومن أهمّها غزوة بدر، كما أنّه من أسباب غفران الذنوب، والابتعاد عن المعاصي، وبه تدوم الطَّاعات، وتُرفع الدرجات، وبه يتوب العاصي، ففيه جلبٌ للخير ودفعٌ للشَّرّ، ومن آثار الدّعاء أنّ العبد يستحضر قلبه وهو يدعو ربّه، فهو في كمال العبادات، والدّعاء يحمل القلب إلى العودة إلى الله -تعالى-، والتّضرّع بين يديه والاستكانة إليه، ويكون بالدّعاء الذكر الذي يعدّ من أجلّ العبادات، وقد وردت الكثير من النُّصوص في أهميّة عبادة الدّعاء؛ يُذكر منها:[٣٠]

  • قَوْل الله -عزّ وجلّ-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)،[٣١] ففي الآية الكريمة معاني عظيمةٌ، وأخصّها معنى القُرْب، وهو إخلاصٌ في دعائه، وامتناعه من أن يبقى بينه وبينه مليكه أيّ واسطةٍ، فكان هو القُرْب المُخلَص، كما بيّن ذلك الإمام الزركشيّ -رحمه الله-.
  • قَوْله -تعالى-: (وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).[٣٢]
  • قَوْل النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما على الأرضِ مسلِمٌ يدعو اللَّهَ تعالى بدعوةٍ إلَّا آتاهُ اللَّهُ إيَّاها أو صرفَ عنْهُ منَ السُّوءِ مثلَها ما لم يدعُ بمأثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ فقالَ رجلٌ منَ القومِ إذًا نُكثرُ قالَ اللَّهُ أَكثَرُ).[٣٣]
  • قَوْل النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ اللهَ تعالى حييٌّ كريمٌ، يستحي إذا رفعَ الرجلُ إليهِ يديهِ أنْ يردهما صفرًا خائبتينِ).[٣٤]


إحياء الليل بالاستغفار وفَضْل الاستغفار

عمارة الليل بالاستغفار أعظم مقصودٍ، وأجلّ مأمولٍ، وخاصّةً ما يكون في الثُلث الأخير منه، حين يتنزّل الله إلى السَّماء الدُّنيا، فيغفر للمُستغفرين، ويُجيب دعوات الدّاعيين، وفي الصَّلاة تكون القُرْبى العُظمى لله -تعالى-؛ لِما تحتويه من ذكرٍ، واستغفارٍ، ودعاءٍ، وتلاوةٍ للقرآن، بالإضافة إلى ما يحوزه المسلم من الأجور والفوز بالجنّات، وعبادة الاستغفار عظيمةٌ تدخل فيها عبادةٌ أعظم؛ وهي الدّعاء بطلب الغُفْران من الرَّحمن،[٣٥] وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة التي تدلّ على فَضْل الاستغفار، فيجدر بالمسلم الإكثار من الاستغفار باللَّيل والنَّهار؛ اقتداءً بالنبيّ الذي كان يستغفر باليوم أكثر من مئة مرّةٍ، وهو الذي قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.[٣٦]


وممّا ورد في بيان عظمة عبادة الاستغفار؛ قَوْله -تعالى-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)،[٣٧] فالآية تدلّ على بركات الاستغفار وما يحصل فيها من فتوحاتٍ واسعةٍ، فهي إمدادٌ في الدّنيا بالمال والأولاد، وفوزٌ في الآخرة، وسعادةٌ بقُرْب ربّ العباد، وقد جاءت مواطن الاستغفار في القرآن الكريم كثيرةٌ ذات معانٍ وفيرةٍ، منها:[٣٨][٣٩]

  • أنّ الله -تعالى- أمر العباد بالاستغفار، فقال الله -تعالى-: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ).[٤٠]
  • أنّ الله -تعالى- أثنى أعظم ثناءٍ على أهله من عباده، فقال الله -تعالى-: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ).[٤١]
  • الاستغفار من خصال العباد المتقين، فقد قال الله: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ*أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).[٤٢]
  • الاستغفار سببٌ في إبعاد العذاب من الله عن عباده المستغفرين، فقال الله: (وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).[٤٣]
  • الاستغفار دَيْدن الأنبياء والصالحين من قبل، فكان الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يُهرعون إلى الله -تعالى- متضرّعين بالاستغفار والتسبيح، والاعتراف بالتقصير ومن ذلك ما جاء على لسانهم في القرآن الكريم، كقوله الله -عزّ وجلّ- على لسان النبيّ موسى -عليه السلام-: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).[٤٤]


المراجع

  1. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم: 757، صحيح.
  2. محمد بن إبراهيم بن عبد الله التويجري (1430هـ)، موسوعة الفقه الإسلامي (الطبعة الأولى)، الرياض: بيت الأفكار الدولية، صفحة 605، جزء 1. بتصرّف.
  3. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عمرو بن عبسة، الصفحة أو الرقم: 3579، صحيح.
  4. "القيام في الثلث الأخير من الليل أقرب إلى استجابة الدعاء"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 4/6/2020. بتصرّف.
  5. سورة يونس، آية: 62-64.
  6. سورة السجدة، آية: 15-17.
  7. سورة القمر، آية: 54-55.
  8. ^ أ ب عبد الله بن صالح القصير (1421هـ)، تذكرة الصوام بشيء من فضائل الصيام والقيام وما يتعلق بهما من أحكام (الطبعة الثانية)، المملكة العربية السعودية: وزارة الشوون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 49-52. بتصرّف.
  9. سورة الذاريات، آية: 15-17.
  10. سورة المزمّل، آية: 1-6.
  11. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1145، صحيح.
  12. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1163، صحيح.
  13. ^ أ ب محمد نصر الدين محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، صفحة 648-651، جزء 8. بتصرّف.
  14. سورة الإسراء، آية: 79.
  15. سورة الذاريات، آية: 15-17.
  16. سورة الفرقان، آية: 63-64.
  17. سورة الزمر، آية: 9.
  18. سورة المزمّل، آية: 1-8.
  19. سورة الفرقان، آية: 64.
  20. سورة السجدة، آية: 17.
  21. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1163، صحيح.
  22. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن بلال وأبي أمامة وأبي الدرداء وسلمان وجابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم: 4079، صحيح.
  23. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن عبد الله بن سلام، الصفحة أو الرقم: 2648، صحيح.
  24. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أمّ سلمة أمّ المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 7069، صحيح.
  25. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 3269، صحيح.
  26. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 1144، صحيح.
  27. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن علي بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم: 1127، صحيح.
  28. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن جابر بن عبد الله وسهل بن سعد، الصفحة أو الرقم: 89، صحيح.
  29. رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1609، حسن صحيح.
  30. مجموعة من المؤلفين (1427هـ)، الموسوعة الفقهية الإسلامية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 258-260، جزء 20. بتصرّف.
  31. سورة البقرة، آية: 186.
  32. سورة غافر، آية: 60.
  33. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عبادة بن الصامت، الصفحة أو الرقم: 3573، حسن صحيح.
  34. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن سلمان الفارسي، الصفحة أو الرقم: 1724، صحيح.
  35. "حكم إحياء الليل بالاستغفار فقط"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 6-6-2020. بتصرّف.
  36. صالح السدلان، ذكر وتذكير، صفحة 80. بتصرّف.
  37. سورة نوح، آية: 10-12.
  38. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر (1422هـ)، الذكر والدعاء في ضوء الكتاب والسنة (الطبعة الأولى)، المملكة العربية السعودية: وزارة الشوون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 35. بتصرّف.
  39. "الاستغفار فضائله وفوائده"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 6-6-2020. بتصرّف.
  40. سورة هود، آية: 3.
  41. سورة آل عمران، آية: 17.
  42. سورة آل عمران، آية: 133-136.
  43. سورة الأنفال، آية: 33.
  44. سورة القصص، آية: 16.