كرم عبدالله بن عمر

كرم عبدالله بن عمر

كرم عبد الله بن عمر

عُرف عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- بكرمه، وفيما يأتي بيان لجوانب من كرمه رضوان الله عليه:


كثرة إنفاقه

كان عبدالله بن عمر معروفاً بالكرم وكثرة الإنفاق وكان مشهوداً له بذلك، ومن هذه المواقف ما يأتي:[١]

  • قال نافع: "جاء ابن عمر بضع وعشرين ألفاً، لم يترك مجلسه حتى أنفقها جميعاً، بل وزاد عليها، وحينئذٍ حضر بعض من كان يعطيه فاستقرض ممن كان أعطاه، فأعطاه إياه".


  • وقد كان عبدالله بن دينار مع ابن عمر خارجين إلى مكة، فنزل راعٍ من الجبل، فسأله ابن عمر: "أراع؟" فأجاب الراعي: "نعم"، فقال له ابن عمر: "بعني شاة مما لديك"، قال الراعي: "إني عبد مملوك". قال ابن عمر: "أخبر سيدك قد أكلها ذئب"، قال الراعي: "وأين الله-عزوجل-؟" قال ابن عمر:" فأين الله، ثم بكى"، وبعدها اشترى ابن عمر الراعي العبد وأعتقه.


كرمه في الإنفاق على المستحقين

وأما في كرمه في الإنفاق على المستحقين، فقد قال فيه أيوب الراسبي: "وصلت إلى المدينة، فأخبرني أحدهم أنه قد جاء ابن عمر أربعة آلاف من معاوية، وأربعة آلاف من شخص آخر، وألفان من آخر، وقطيفة، وعندما وصلت إلى السوق رأيت ابن عمر يريد علفاً لدابته بدرهم نسيئة، فذهبت لسريّته وقلت: ألم يحصل أبا عبدالرحمن على أربعة آلاف من معاوية وأربعة من غيره وألفان من غيرهما وقطيفة؟ قالت: بلى. قلت: إني رأيته في السوق يطلب علفاً بدرهم نسيئة. قالت: لم ينم قبل أن أنفق كل ما احتصل عليه لمن استحق، وأخذ القطيفة فذهب وأعطاها لأحدهم ومن ثم عاد. قلت: يا أيها التجار ماذا ستفعلون في الدنيا وابن عمر كان يملك البارحة عشرة آلاف درهم واليوم يطلب علفاً بدرهم نسيئة".[٢]


وكان ابن عمر ممن يتصدق بما يشتهي، وينفق مما يحب؛ فقد أتته في أحد الليالي عشرة آلاف درهم؛ فلم ينم قبل أن يتم توزيعها لمستحقيها، وفي جلسة أخرى حصل على بضعة وعشرين ألفاً، فلم يبرح المكان قبل أن ينفقها لوجه الله -تعالى-، بل وزاد عليها أن استدان ممن في المجلس وقام بتوزيعه أيضاً.[٢]


شهد له كل من حضره بكثرة إنفاقه لوجه الله تعالى؛ وقد قال ابن المسيب: "لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر"،[٣] وذلك لشدة تورعه وتقربه من الله-عز وجل-في كل الطاعات وعلى رأسها كثرة الإنفاق.


كم نحن بحاجة لأمثال ابن عمر في حياتنا،ويجدر بنا الاقتداء به لا بكرمه فقط؛ بل بكل صفاته لأنها ما هي إلا صفات المؤمنين التي يدعو ديننا إليها.


أخلاق عبد الله بن عمر

أما عن أخلاق عبد الله بن عمر؛ فقد كانت أخلاقه خير مثال وتطبيق لأخلاق الإسلام، وفيما يلي ذكر لبعض هذه الأخلاق والفضائل:


  • شهادة الصحابة وأم المؤمنين له: وهل هناك إثبات على أخلاقه أكثر من شهادة السيدة عائشة أم المؤمنين له في قولها: "ما رأيت أحداً ألزم للأمرالأول من ابن عمر"، وليس ذلك فحسب بل إن كل من عرفه شهد له من الصحابة الكرام؛ فقد قال أبو سلمة بن عبدالرحمن فيه: "مات عبد الله بن عمر وهو في الفضل كأبيه؛ كان من أشدّ الناس حرصاً على اتباع النبي -عليه الصلاة والسلام- في كل شيء".[٤]


  • الحرص على تتبع كل ما يصدر عن النبي: كان يحرص عبد الله بن عمر على تتبع كل ما يصدر من النبي-صلى الله عليه وسلم-والتأسي به؛ فقد قال ابن عمر لأحد أبنائه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المسجد)، فقال ابنٌ له: "إنّا لنمنعهن". فغضب ابن عمر غضباً شديداً وقال: "أحدثك عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وتقول إنّا لنمنعهن".[٥]


  • الخشية من الموت: كان عبد الله بن عمر شديد الخشية من الموت مخافة ألا يكون الله تعالى قد قبل عمله؛ فقد جاء سائل إليه فأشار إلى ابنه أن أعطيه ديناراً، وقال ابنه تقبل الله يا أبتاه؛ فقال: "لو أعلم أن الله يتقبل مني سجدة واحدة أو درهم لم يكن هناك غائب أحب إلي من الموت، أتدري ممن يتقبل؟ يتقبل الله من المتقين".[٦].


  • الورع والخوف من النار: فقد طلبه عثمان بن عفان ليكون قاضياً، فرفض وطلب العفو من أمير المؤمنين معللاً رفضه بقوله: "إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من كان قاضيًا فقضى بالجهلِ ، كان من أهلِ النارِ، ومن كان قاضيًا فقضى بالجَوْرِ، كان من أهلِ النارِ، ومن كان قاضيًا عاملًا يَقضي بحقٍّ أو بعدلٍ، سألَ التَّفَلُّتَ كَفافًا)،[٧] أخبرني ما لي في هذا؟".[٨]


  • زهده وتشبهه بالمساكين: أما في زهده وتشبهه بالمساكين فقد شهد له ابن مسعود فقال فيه: "أملك شباب بني قريش لنفسه عبد الله بن عمر"،[٩] أي أنه كان يملك شهوته ويزهد بالحياة، وقد جاء صاحب له يوماً بوعاء وقال إنه هدية له، وعندما سأل عبد الله ما هذا؟ أجاب الرجل:" أنه دواء من العراق"، فقال عبدالله: "ولم هذا الدواء؟" فأجابه أنه مخصص لهضم الطعام، فتبسم ابن عمر وقال: "إني لم أشبع من طعام منذ أربعين عاماً".[١٠]


لقد كان ابن عمر صاحب خلق عظيم، وتمثل ذلك في اتباعه وحرصه على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخشيته من الموت والحساب، وفي زهده وقلة تعلقه بالحياة الدنيا، رضي الله عنه وأرضاه.


من هو عبد الله بن عمر؟

هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، بن نفيل بن عبد العزى بن غالب، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي، المكي ثمّ المدني، الإمام القدوة، وشيخ الإسلام، أبوه الفاروق الصحابي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ثاني الخلفاء الراشدين وأول من لقب بأمير المؤمنين الذي كناه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأبي حفص.[١١]


وأمه زينب بنت مظعون الجمحيّ، وذُكرأنها من المهاجرات، وأخته أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم وأرضاهم-، أسلم وهو صغير، وهاجر مع والديه صغيراً، كان صغيراً يوم أحد فكانت أول غزوة له غزوة الخندق، وهو ممن بايع رسول الله -عليه الصلاة والسلام- تحت الشجرة.[١٢]


وفيما يأتي ذكر لأهم الأمور عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-:

  • مولده: ولد عبدالله بن عمر في السنة الثانية للبعثة في مكة المكرمة، وما أن بدأ يشعر ويدرك ما يحيط به حتى اعتنق الإسلام مع أبيه الفاروق، ولقي مع أهله ما لقوا من قريش قبل الهجرة وهاجر مع والديه في سن الحادية عشرة من عمره، بقي عبد الله بن عمر منذ صغره يبرُّ والده، وكان شديد الإعجاب به، متشبّهاً به في كل صفاته.[١٣]


  • نشأته: لقد كانت نشأته نشأة إسلامية بحته، في أعظم المدارس في تاريخنا، مدرسة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبقي فيها ينهل من علم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- عشر سنوات، واكب فيها نزول الوحي، وعاصر إنشاء الدولة الإسلامية.[١٤]


  • وفاته رضي الله عنه وأرضاه: توفي في مكة السنة الثالثة وسبعين للهجرة، بعد مقتل عبد الله بن الزبير، وقيل توفي رحمه الله في السنة الرابعة والسبعين للهجرة، عن عمر يناهز أربعة وثمانين عاماً.[١٥]


قدم الإسلام على مرّ التاريخ أعظم الصور في رجالات كانت في الصفوف الأولى دائماً، وعلى رأسهم الصحابة الكرام الذين تلقوا أنقى أنواع العلم بلا شوائب من مصدرها- صلى الله عليه وسلم-، وجمعوا بين العلم والورع والتقوى والنسب، وكانوا من القيادات الملهمة، ومن هؤلاء العظام الصحابي الجليل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما وأرضاهما-.


المراجع

  1. محيي الدين مستو، عبدالله بن عمر الصحابي المؤتسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، صفحة 199-194. بتصرّف.
  2. ^ أ ب علي الطنطاوي وناجي الطنطاوي ، أخبار عمر وأخبار عبدالله بن عمر، صفحة 443-444. بتصرّف.
  3. "عبدالله بن عمر"، اسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 18-8-2021. بتصرّف.
  4. شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء ط الحديث، صفحة 308-307. بتصرّف.
  5. ناصر بن سعيد السيف (28-4-2018)، "نماذج في اقتداء الصحابة بالنبي عليه الصلاة والسلام"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 20-8-2021. بتصرّف.
  6. دكتور ابراهيم بن محمد الحقيل (7-9-2017)، "إنما يتقبل الله من المتقين (2)"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 20-8-2021. بتصرّف.
  7. رواه الألباني، في السلسلة الضعيفة، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم:6864 ، ضعيف.
  8. علي الطنطاوي وناجي الطنطاوي، أخبار عمر وأخبار عبدالله بن عمر، صفحة 432. بتصرّف.
  9. ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، صفحة 157. بتصرّف.
  10. خالد محمد خالد، رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم، صفحة 77. بتصرّف.
  11. شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء ط الحديث، صفحة 303. بتصرّف.
  12. شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء ط الحديث، صفحة 303. بتصرّف.
  13. محيي الدين مستو، عبد الله بن عمر الصحابي المؤتسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، صفحة 19-22. بتصرّف.
  14. "عبدالله بن عمر"، قصة الإسلام ، 1-5-2006، اطّلع عليه بتاريخ 20-8-2021. بتصرّف.
  15. دكتور ابراهيم بن فهد ابراهيم الودعان، بالهمة وصل إلى القمة الصحابي عبدالله بن عمر رضي الله عنهما وطلبه للعلم دروس وفوائد، صفحة 6. بتصرّف.
2448 مشاهدة
للأعلى للأسفل