كيف أثبت على التوبة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٠١ ، ٢٦ أغسطس ٢٠١٨
كيف أثبت على التوبة

التوبة والرجوع إلى الله

من رحمة الله -تعالى- بعباده أن فتح لهم باب التوبة والرجوع إليه مهما بلغت ذنوبهم وخطاياهم، ومن رحمته بهم أن جعل التوبة وقايةً للإنسان من الاستمرار في اقتراف المعاصي والذنوب، فالتوبة لها آثارٌ إيجابيةٌ على الفرد والمجتمع؛ فهي تعطي الإنسان الأمل، وتمنحه السلام النفسيّ، وتحثّه على ترك الذنوب والمعاصي، وتجعله يفتح صفحةً جديدةً مع خالقه ومع الناس، والتوبة تحمي المجتمع من تكرار الجريمة فيه، وفي هذه المقالة سيتم بيان معنى التوبة وحكمها، وكيفيتها، وكيفية الثبات عليها.


معنى التوبة

التوبة لفظٌ كغيره من الألفاظ في اللغة العربية لها معنيان؛ واحدٌ في اللغة، وآخرٌ في الاصطلاح، وفيما يأتي بيان كلا المعنيين:

  • التوبة في اللغة: هي اسمٌ، وجمعها تَوْبات، وتَوَبات، وتوب، ويُراد بها الاعتراف والندم والإقلاع، وعزم الإنسان على عدم معاودة ما يقترفه من الإثم، يُقال: التوبة النصوح أي؛ التوبة الصادقة، وهي: ندمٌ بالقلب واستغفارٌ باللسان.[١]
  • التوبة في الاصطلاح: ترك الإنسان للذنب؛ مخافة لله تعالى، واستشعاراً لقبح الذنب، وندمٌ على ما فعله من المعصية، من حيث كونها معصيةً، والعزيمة على ألاّ يعود إلى فعلها إذا قدر عليها، وتدارك ما أمكنه من الأعمال بالإعادة، والتوبة الرجوع إلى الله تعالى، وذلك عن طريق حلّ عقدة الإصرار عن القلب، ومن ثمّ القيام بكلّ حقوق الله تعالى، والتوبة والتوب يأتيان بمعنى واحدٍ، وهو: ترك الإنسان للذنب على أجمل الوجوه.[٢]


حكم التوبة ووقتها

اتفق فقهاء المذاهب الفقهية على أنّ التوبة واجبةً شرعاً على الفور، وذلك لأنّها من أصول الإسلام المهمة وقواعد الدين، قال الله تعالى في القرآن الكريم: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)،[٣] وأمّا إن أخرّ الإنسان المذنب التوبة إلى آخر حياته، مع عدم يأسه من الحياة آملاً فيها، بحيث لا يعلم بشكلٍّ قطعيّ أنّ الموت يدركه لا محالة، فتوبته عند جمهور الفقهاء مقبولةً، وإن كان قريباً من الموت، أمّا إن كان الإنسان المذنب قاطعاً للأمل من الحياة يائساً فيها، فقد اختلف فيه الفقهاء؛ فذهب فقهاء المالكية، وبعض فقهاء الحنفية، وقولٌ عند الحنابلة، ورأي عند الشافعية أنّه لا تُقبل توبته، مستدلّين بقول الله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)،[٤] أمّا الحنفية في قولٍ آخرٍ لهم، ووجهٍ عند الحنابلة ذهبوا إلى القول بأنّ توبة المؤمن العاصي تُقبل، ولو كانت في حالة الغرغرة، بخلاف إيمان الإنسان اليائس فإنّها لا تُقبل منه.[٥]


كيفية الثبات على التوبة

لكي يتمكّن الإنسان المسلم من الثبات على التوبة، وعدم الرجوع إلى ارتكاب المعاصي والآثام، يتوجّب عليه القيام بعددٍ من الأمور، وهي:[٦]

  • المبادرة إلى التوبة، وعدم التسويف، فالتسويف سببٌ من أسباب طمع الشيطان في الإنسان، قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)،[٧] وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا).[٨]
  • الإقلاع عن ارتكاب الذنوب والمعاصي، فالتوبة مع مداومة ارتكاب الذنوب نوعٌ من الاستهزاء الذي لا يتصوّر من شخصٍ عاقلٍ.
  • الندم على المعصية، وعلى ما كان يرتكبه الشخص من الذنوب والآثام.
  • العزم على عدم الرجوع إلى ارتكاب المعاصي والآثام؛ ويكون ذلك بقطع كلّ العلائق التي بين الشخص وبين ما يقرّبه من المعاصي، سواءً أكانت هذه العلائق أصدقاء سوءٍ، أو صورٍ، أو أفلامٍ، أو غيرها من وسائل المعاصي.
  • ملازمة أهل الطاعة، وملازمة الرفقة الصالحة التي تُعين العبد على طاعة الله، وتتعهده إذا أصابه الفتور والملل، ويتوجّب أن يتوفّر في هذه الرفقة سلامة المعتقد، والابتعاد عن البِدع.
  • محاسبة النفس على كلّ ما يصدر من حركاتٍ وسكناتٍ، حتى لا تعود إلى ارتكاب المعاصي.
  • إشغال النفس بما فيه نفعٌ لها، من طاعة الله سبحانه؛ كأن يجعل لنفسه وِرداً يوميا من قراءة القرآن، أو حفظ الأحاديث النبوية، أو الأذكار وغيرها من الطاعات، فالنفس إذا لم يشغلها الإنسان بالطاعات شغلته بالمعاصي.


كيفية التوبة إلى الله

ذكر العلماء طرقاً للتوبة يستوجب على الإنسان حتى يتوب إلى الله -تعالى- القيام بها، وهذه الطرق هي:[٩]

  • الإخلاص لله تعالى، والصدق في التوبة، والرجوع إلى الله، فمتى كان المرء صادقاً في توبته مخلصا لله فيها كان الله مُعيناً له، وصرف عنه السوء.
  • امتلاء القلب محبة لله، فمتى كان القلب ممتلئاً بحب الله ذهبت عنه الأخطار والشرور.
  • مجاهدة النفس بالابتعاد عن المعاصي، والقيام بالطاعات، والتقرّب إلى الله، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).[١٠]
  • تذكّر قصر الدنيا، وسرعة زوالها، وتذكّر الآخرة وما فيها من جنةٍ ونارٍ.
  • العلم؛ فالعلم يضيء الطريق لصاحبه، ويشغله بكلّ خيرٍ، فعلى الإنسان أن يحرص على ما ينفعه من العلوم، كتعلّم وجوب التوبة، وفضلها، وأحكامها.
  • تجنب الوحدة والفراغ، مع الحرص على الاشتغال بما ينفع النفس ويمنعها عن الفساد والانحراف.
  • الابتعاد عن المثيرات، وكلّ ما يذكّر بالمعصية، من قولٍ، أو فعلٍ، أو سماعٍ، أو مشاهدةٍ.
  • مصاحبة الأخيار الذين يُذكّرون العبد بالله، ويحفظونه في غيبته وحضوره.
  • مجانبة الأشرار ورفقاء السوء الذين يُخفون عيوب الشخص ويحسّنون له القبيح.
  • النظر في عواقب ما يقوم به الشخص من الأعمال والمعاصي.


المراجع

  1. "تعريف ومعنى التوبة"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 11-8-2018. بتصرّف.
  2. أ.د صالح بن غانم السدلان (1416)، التوبة إلى الله معناها حقيقتها فضلها وشروطها (الطبعة الرابعة)، السعودية: دار بلنسية، صفحة 10. بتصرّف.
  3. سورة النور، آية: 31.
  4. سورة النساء، آية: 18.
  5. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت (1427هـ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 125-127، جزء 14. بتصرّف.
  6. سعيد مصطفى ذياب (19-6-2015)، "وسائل الثبات على التوبة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 11-8-2018. بتصرّف.
  7. سورة آل عمران، آية: 133.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 118، صحيح.
  9. خالد الجندي، الاستعداد للقاء الله مقامات الوصول لرب العالمين، صفحة 47-54. بتصرّف.
  10. سورة العنكبوت، آية: 69.