كيف تصبح فصيح اللسان

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٥٢ ، ١٥ فبراير ٢٠١٨
كيف تصبح فصيح اللسان

فصاحة اللسان

تُعدّ فصاحة اللسان من الصّفات التي يتمتّع بها العرب منذ القدم؛ فهي توضّح المعنى، وتزيد اللفظ قيمةً وجمالاً، وقد جمع الجاحظ قيمة الفصاحة في قوله: (إنّه ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا آنق، ولا ألذّ في الأسماع، ولا أشدّ اتّصالاً للعقول السليمة، من طول استماع حديث الأعراب العُقَلاء الفُصَحاء والعُلَماء البُلَغاء). والفصاحة صفة مهمّة عند العرب، وهي ذات وجهين: عضويّ يتمثّل في طلاقة اللسان، ووضوح النُّطق عند المتكلّم، وتواصليّ يتحقّق في البيان، والفهم بين المتكلّم والمُستمِع.[١]


ومن حكمة الله -تعالى- أن أرسل كلّ نبيٍّ بلسان قومه، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)،[٢] وقال تعالى: (الرَّحْمَٰنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْإِنسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ )،[٣] وإنّ ما جاء في القرآن الكريم على لسان موسى عليه السّلام: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا)،[٤] ليُشير إلى أنّ موسى -عليه السّلام- سأل ربه فصاحة اللسان؛ ليفهم قومه لهجته، فتصلهم رسالته؛ إذ قال -تعالى- على لسانه:(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي*وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي*وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي*يَفْقَهُوا قَوْلِي).[٥]


إنّ من يقرأ التراث العربي يلاحظ شدّة اهتمام العرب بالفصاحة، والبلاغة، والبيان، وأنّ اللسان عندهم كلّما كان أكثر بياناً كان أفضل؛ فقد تحدّوا بعضهم بعضاً، وتباروا في إلقاء الشعر والخُطَب؛ لمعرفة من منهم أفصح لساناً، وقد كانوا يقيمون دُوراً وأماكن في الأسواق لتلك الغاية؛ خاصّةً في مكة المكرّمة.[٦] ومن يُريد تعلّم الفصاحة، أو بمعنىً آخر يريد أن يكون طليق اللسان فعليه بقراءة القرآن الكريم أوّلاً، ثمّ الشعر العربيّ، والأدب العربي القديم والحديث.


مفهوم الفصاحة

يُقال في اللُّغة: فَصُحَ الرَّجُل؛ أي: انطلق لسانه، فكان كلامه صحيحاً واضحاً، وفَصُحَ الأعجميّ؛ أي: تكلّم بلغة عربيّة سليمة، ورجل فصيح وكلام فصيح؛ أي: بليغ، والفصاحة هي البيان،[٧] وهي نوعان:[١]

  • فصاحة اللفظ: أي خلوّ الكلام من اللفظ الغريب أو الصّعب.
  • فصاحة المعنى: أي وضوح المعنى، وخلوّه من التعقيد، ممّا يسهّل الفهم.


كيفيّة اكتساب فصاحة اللسان

يتطلّب اكتساب فصاحة اللسان الصّبر والإصرار على الاستمرار في التعلّم، والتدريب والمتابعة حتّى في حالة فشل الشخص في المراحل الأولى من تعلّمه، كما يتطلّب التحدث في مختلف المواقف والمواضيع بثقة وفصاحة دون تردّد أو خجل، وعدم نسيان الأفكار، وللتحدُّث بفصاحة وطلاقة فإنّ على الشخص أن يهتمّ ببعض الأمور، منها:

  • القراءة: حتّى يتمكّن الشخص من التحدّث بفصاحة فعليه بقراءة القرآن؛ ففيه من الإيجاز والإعجاز والبيان ما عجِز بشر عن الإتيان بمثله، فكان بذلك أبلغ كتاب في اللغة العربية، بالإضافة إلى قراءة الحديث النبوي الشريف أيضاً؛ فقد اتّصفت أحاديث النبيّ محمّد -عليه الصّلاة والسّلام- بالألفاظ القليلة ذات المعاني الوجيزة، حيث قال: (فُضِّلتُ على الأنبياءِ بسِتٍّ: أُعطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ)،[٨] ثمّ قراءة بعض الأشعار والخطب العربيّة وحفظها؛ إذ قال عليّ بن أبي طالب: (الشِّعر ميزان القول)، بالإضافة إلى الاطّلاع على الأدب الحديث؛ حيث إنّ القراءة تزيد من الحصيلة اللغوية؛ ومن ثَمَّ تساعد على تجنُّب التلعثم أو فقدان المعنى، فغاية الفصاحة لدى العرب هي إيصال المعنى الصحيح، ويروي الجاحظ أنّ أبا بكر مرّ برجل يبيع الثياب في السوق، فقال له: أتبيع الثوب؟ قال: لا، عافاك الله. فقال أبو بكر: لقد عُلِّمتم لو كنتم تعلمون، ألا قلت: لا، وعافاك الله؟ يُشير إلى موضع الوصل بين الجملتين.[٩]
  • اختيار نموذج أو قدوة للاقتداء بها: يكون ذلك باختيار إحدى الشخصيّات المعروفة بفصاحتها وقدرتها على التعبير، وقد كانت بعض قبائل مكّة ترسل أبناءها إلى البادية؛ كي ينشأ أطفالهم فُصحاء اللسان.[١٠]
  • التواصل الاجتماعيّ: هو التواصل مع الناس في المناسبات والأفراح وغيرها؛ لتطوير مهارات التواصل والكلام، بالإضافة إلى محاولة التميّز في الدراسة أو في مجال العمل، وعدم تجنّب الناس؛ لأن ذلك يضعف المهارات الاجتماعيّة، ومن ثمّ يُضعف مهارات التواصل، وذلك يتطلّب التدريب والممارسة، فمواصلة التدريب تؤدّي إلى تحقيق الهدف؛ وهو النقاش والحوار بفصاحة، حتّى تصبح الفصاحة ملَكةً عند صاحبها؛ فمهارة التواصل من أهمّ المهارات التي يجب أن يكتسبها أيّ إنسان؛ فهي تساعد على إيصال وجهة النظر، وإقناع الطرف الآخر بها.[١١]
  • مخاطبة الناس بما يفهمون حسب لهجاتهم: أي أن يُخاطبهم بما يفهمون، وإن تطلّب ذلك مخاطبتهم بلغتهم أو لهجتهم الخاصّة، ويُروى أنّ رجلاً دخل على أحد ملوك حمير وهو جالس في مكان مرتفع، فقال له الملك: ثَبْ؛ أي اجلس بلهجته، فقفز الرّجل من الجبل فمات، استغرب الملك تصرُّفه، فشرحوا له أن الوثب في لغة الرجل يعني القفز، في حين أنّ الملك كان يريده أن يجلس.[١٢] وبهذا تكون كلّ لغة ولهجة هي الفصحى لدى من يتواصلون بها.[١٣]
  • تطوير المهارات: هو الأمر الذي يتطلّب المثابرة على تطوير تلك المهارات وصقلها، فبمواصلة العمل يتمّ تحقيق الغاية المنشودة، وهي القدرة على النقاش والحوار بفصاحة، إلى أن تصير الفصاحة طبعاً وصفةً عند صاحبها، قال ابن خلدون: (والمَلَكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال).[١٤]


أسباب ضعف الفصاحة

تتعرّض اللغات عبر الزمن إلى تغيّرات في ألفاظها، وبُناها، وحتّى قواعدها، من هذه التغييرات ما يكون حميداً، ومنها ما يصيب اللغة بضعف، وقد أصاب اللسانَ العربيَّ ضعفٌ واضحٌ، فضعفت فصاحته؛ ويعود ضعف الفصاحة إلى أسباب عديدة، منها ما كان بسبب هذا الاختلاط، ومنها ما كان بسبب خلل لدى المتكلّم، ومن هذه الأسباب:

  • التّرجمة: ما من لُغة -منها اللغة العربيّة- إلا كانت عُرضةً للتبادل اللغويّ؛ بسبب اختلاط الشعوب، الأمر الذي أدّى إلى دخول مصطلحات جديدة أضعفت فصاحة العربيّ عند نقله للفكرة، من حيث استخدامه لألفاظ أعجميّة، أو دخيلة على العربية، أو مُترجَمة، بالإضافة إلى سطحيّة التعبير عن مضمون الفكرة، وضعف الأسلوب في نقلها.[١٥]
  • الصعوبة: هي صفة توجد في تأليف المتكلم لكلامه، وتكرار اللفظة، ويُروى أنّ أبا تمّام أنشد أحمد بن أبي داود قوله:[١٦]
فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن
يرضى المؤمِّل منك إلا بالرِّضى
فقال له إسحاق بن أبي إبراهيم الموصلي: (لقد شققتَ على نفسك يا أبا تمام، والشِّعر أسهل من هذا).
  • اللثغة: وللجاحظ كلام في هذا الشأن؛ إذ يقول: (الذي يعتري اللسان ممّا يمنع البيان أمور، منها: اللثغة التي تعتري الصبيان غالباً إلى أن ينشؤوا، كنطق الراء ياءً)، فلا شكّ أنّها تؤثّر على فصاحة الكلام؛ لأنها تجعل الكلام غير واضح وغير سليم.
  • وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ: فقد تسبّبت وسائل الإعلام المُتعدّدة بإهمال اللغة إهمالاً بالغاً، ممّا أضعف فصاحة اللسان العربيّ،[١٧] كما أدّى انتشار مواقع التواصل الاجتماعي إلى ضعف الألفاظ، ورداءة المعاني، وانتشار اللهجات المحليّة العاميّة بدلاً من اللفظ الفصيح.[١٨]


المراجع

  1. ^ أ ب بلقاسم بلعرج (1-1-2004)، "الفصاحة سمة من سمات الأداء الكلامي عند العرب القدامى"، التراث العربي، العدد: 93-94، صفحة: 121، 123، 134.
  2. سورة إبراهيم، آية: 4.
  3. سورة الرحمن، آية: 1-2-3-4.
  4. سورة القصص، آية: 34.
  5. سورة طه، آية: 25-28.
  6. "أسواق العرب"، www.arab-ency.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-2-2018. بتصرّف.
  7. "تعريف ومعنى فصح في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-2-2018. بتصرّف.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 523، صحيح.
  9. عبد الله الأنصاري (10-7-2014)، "الوصل والفصل في القرآن"، www.albayan.ae، اطّلع عليه بتاريخ 12-2-2018. بتصرّف.
  10. سعود المطيري (15-12-2015)، "مكة تدفع بأطفالها إلى مرضعات البادية عام 1814م وتستعيدهم فتياناً"، www.alriyadh.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-2-2018. بتصرّف.
  11. إيمان عماد (15-1-2015)، "كيف تُنمي مهارات الحوار لديك وتُصبح محاوراً بارعاً؟"، www.ts3a.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-2-2018. بتصرّف.
  12. رومان جاكبسون، "اللسانيات والتواصل"، www.aljabriabed.net، اطّلع عليه بتاريخ 12-2-2018. بتصرّف.
  13. "فصحانا واللسان العربي المبين"، مجلة الباحث، العدد: 2، صفحة: 154.بتصرّف.
  14. احميدة العوني (8-4-2013)، "منظور ابن خلدون في اكتساب اللغة العربية"، www.albayan.co.uk، اطّلع عليه بتاريخ 9-2-2018.بتصرّف.
  15. د.مسعود بوبو (1982)، أثر الدخيل على العربية الفصحى، دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، صفحةك 5-7. بتصرّف.
  16. ابن سنان الخفاجي (1982)، سرّ الفصاحة (الطبعة الأولى)، لبنان: دار الكتب العلمية، صفحة: 98.بتصرّف.
  17. هاجر الفتوح (5-10-2016)، "الجاحظ وكتاب البيان والتبيين"، tetouanews.ma، اطّلع عليه بتاريخ 12-2-2018.بتصرّف
  18. عبد الرافع محمد (29-12-2012)، "واقع اللغة العربية وهواجس المستقبل"، www.aljazeera.net، اطّلع عليه بتاريخ 11-2-2018. بتصرّف.