كيف مات عمر المختار

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٣٤ ، ٢٥ يونيو ٢٠١٩
كيف مات عمر المختار

عمر المختار

هو السيد عمر بن مختار بن عمر المنفي الهلالي، وُلد عام ألف وثمانمائة وثمانية وخمسين للميلاد، وتوفى عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين للميلاد، لُقّب بشيخ المجاهين، وأسد الصحراء، وهو مقاوم ليبيّ عربي مسلم، قاد حرباً طويلة ضروسة مع الإيطاليين، وذلك منذ بداية غزوهم لدولة ليبيا في عام ألف وتسعمائة وإحدى عشر للميلاد، وخاض العديد من المعارك، بقيادته، أو بناء على أوامره.


صفاته

لقد كان شيخ المجاهدين، ذو بنية جسدية معتدلة،عريض المنكبين، وكانت لحيته بيضاء، وشعره كذلك، كما كان مؤمناً بمبدأ الجهاد، وجميع الأفكار والمعتقدات التي يتبنّاها الدين الإسلامي، حيث قال عنه أعداؤه بأنّه شخص حاد في ذكائه، وثقافته واسعة، مع أنّ طباعه قاسية، ولكنه رجل نزيه، ومتواضع، رغم فقره كذلك، وهو شديد في ولائه وإخلاصه لبلاده، وبأنّ مشكلته معهم كانت أنّه يرفض المصالحة وخيانة وطنه، وقد تحوّل عمر المختار من شيخ يُعلم القرآن الكريم، إلى مُحارب يقوم بخوض المعارك في سبيل الدفاع عن بلاده من الاحتلال، أما أن الحديث عن كيفية وفاته فهذا يقودنا للحديث عن عدة أمور، وتفصيلها كالتالي:


القبض عليه

لقد كان عمر المختار يعادي إيطاليا كونها تحتل وطنه، وقد خاض العديد من المعارك ضدها، وحاولت إيطاليا مفاوضته أكثر من مرة، حتى أنهم عرضوا عليه أن يساعدوه، ويُعطوه راتباً شهرياً، ويُعلون من شأنه إن أراد منصباً بحيث يصبح الرجل الأول في ليبيا، ولكن عمر المختار رفض كل ذلك، واستمر في مقاومته، وتشجيع باقي المجاهدين على ذلك.


في عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين للميلاد حصل اشتباك بين وحدة استطلاعية إيطالية من جهة، وبين عمر المختار وبعض المجاهدين من جهة أخرى، حيث أصيب حصانه، وسقط على الأرض، وقام أحد المجاهدين بالمناداة عليه باسمه فانتبه الجنود الإيطاليين إلى أنّه عمر المختار القائد فقبضوا عليه من فورهم.


تمت إذاعة الأنباء بأنّه قد تمّ القبض على عمر المختار، وحضر أحد المتصرفين الإيطاليين الذي سبق وأن تفاوض مع عمر المختار حتى يتثبت من هويته، والذي أكد بأنه عمر المختار، ثم وقف هو وغيره من القادة وقاموا بالتقاط صورة معه، وهو في قيوده، ويقف بين آسريه.


الأسر

تم نقل عمر المختار إلى السجن في منطقة بنغازي، وهو مُقيّد بالسلاسل، وأثناء الطريق كان السياسيون يتحدثون معه، ويطرحون عليه الأسئلة، فكان يقوم بالإجابة بكل هدوء أعصاب، وبثبات، وقوة، ودون أن يتأثر بالموقف الذي هو فيه.


عند وصولهم بعمر المختار إلى منطقة بنغازي، لم يتمّ السماح لأي أحد أن يتحدث معه، أو يُقابله، وقد كان على الأرصفة مئات الناس، الذين قد وصلهم الخبر، حيث تم منع الجميع من الاقتراب منه، حيث كان هناك العديد من الجنود الإيطاليين حوله.


تم حبس عمر في زنزانة صغيرة منعزلة عن باقي السجناء، وكانت الحراسة التي عليه مشددة، ويتمّ تغيير الحراسة بين كلّ فترة وأخرى، وعند التحقيق معه كانت إجاباته ثابتة، وليس فيها أيّة مراوغة، حيث كان يردّ على جميع الأسئلة بشجاعة، وصراحة، حيث اعترف بأنّه شن قتال ضد إيطاليا، ولم يستسلم، وأنّه اشترك بالعديد من المعارك، وأنّ جميع ما وقع ضدّ الحكومة الإيطاليّة كان بموافقته، وتحت إذنه، وجميع ما كان يتم من قتال كان يتم تنفيذه بأمره، أو يقوم به بنفسه، وبأنّه لا يشعر بأيّ ندم على ما قام به.


المحاكمة

تمّ إعلان يوم الخامس عشر من الشهر التاسع لعام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين للميلاد على أنه موعد محاكمة عمر المختار، وفي صباح ذلك اليوم تحدث معه أحد القادة الإيطاليين، ووجه له عدّة أسئلة ومن ضمنها سبب محاربته الشديدة للحكومة الإيطالية، حيث أجاب بأن جميع ما فعله كان من أجل دينه ووطنه، وتم سؤاله أيضاً عما يطمح الوصول إليه بأفعاله، حيث أجاب بأنّه يريد طردهم، لأنّهم مغتصبون، وأن الحرب هي فرض على المسلمين، وأنّ النصر يكون من عند الله عز وجل.


في الساعة الخامسة بدأت المحاكمة الصورية، حيث أُحضر عمر المختار، وأُدخل إلى القاعة مُقيّد بالحديد، ويُحيط به الجنود، ثم كان هناك مترجم، ليقوم بالترجمة بين عمر المختار والقضاة، كما كان هناك محامي وهو ضابط إيطالي تمّ تعيينه للدفاع عن المختار كون التهمة الموجهة إليه عقوبتها الإعدام، وهي تستوجب وفق قانونهم حضور محامي للدفاع عن المتهم، وتمت افتتاح المحاكمة وبدأت الجلسة، وبدأ استجوابه، وكان يجيب بجرأة وصراحة، ثم بعد أن انتهى الاستجواب طالب المدعي العام بإعدام عمر المختار.


تعاطف المحامي مع عمر المختار، وطالب أن يكون الحكم هو السجن المؤبد، وليس الإعدام، كون عمر المختار رجل طاعن في السن، ولكن المدعي العام عندها تدخل وطلب من المحكمة أن تمنع المحامي من أن يُتم المرافعة التي بدأ بها، حيث وافقت المحكمة على منعه، وأمرته بذلك.


لم يلتفت المحامي لطلب المحكمة بل استمر بالحديث، وقال بأن عمر المختار رجل على حق، حيث كان يدافع عن وطنه، ضد الاحتلال، ولتحرير بلاده، وأنّ هذا الأمر يُخوّله أن يستخدم القوة، وكل ما يملكه للدفاع عن وطنه.


رفعت المحكمة الجلسة، وأخذت مهلة للمداولة، ثم عادوا جميعاً باستثناء محامي الدفاع، وتمّ النطق بالحكم، والذي يقضي بالحكم على عمر المختار بالإعدام شنقاً حتى الموت، وتمت ترجمة هذا القرار لعمر المختار، فقال: "إنّ الحكم إلا لله، لا للحكم المزيّف، إنا لله وإنا إليه راجعون".


الإعدام

كان موعد تنفيذ الحكم في صباح اليوم التالي، حيث تم تجهيز الساحة، وإحضار ما يُقارب العشرين ألف من أهالي المنطقة، وكذلك جميع المُعتقلين لأسباب سياسيّة وذلك حتى يشهدوا تنفيذ الإعدام، حيث تم إحضار عمر المختار وهو مُقيد، وبحدود الساعة التاسعة صباحاً تم تسليم عمر المختار للجلاد.


كانت الطائرات تُحلق فوق الساحة التي سيُعدم فيها المختار، حتى يخلقوا نوعاً من الضجيج يحول دون سماع كلام المختار إن تكلم مع الناس، إلا أنّه لم يتكلم، وسار متجهاً إلى المنصة المخصّصة للإعدام، وكان ينطق بالشهادتين، ثمّ تمّ تعليقه على المشنقة، وتم إعدامه، وفارق الحياة، عن عمر ثلاثة وسبعين عاماً، وبعدها أُطلق عليه لقب شيخ الشهداء.


أصبح المقاومون من بعد إعدام عمر المختار يتغنّون بعباراته فقد أصبحت شعاراً بالنسبة لهم، ومن عباراته قوله: "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، هذه ليست النهاية" كما كان قد ورد عنه قوله لأعدائه أن عليهم أن يحاربوا الأجيال القادمة التي تليه، وأن عمره سيدوم أكثر من عمر شانقه.