ما حكم الدفاع عن النفس

كتابة - آخر تحديث: ١٢:٥٣ ، ٢٥ يونيو ٢٠٢٠
ما حكم الدفاع عن النفس

عناية الشريعة بحفظ النفس

يُعَدّ حِفظ النفس من أهمّ المقاصد والضروريّات الخمس* التي دعَت الشريعة الإسلامية إلى حِفظها من خلال أحكامها، وقد أولَت الشريعة هذا الجانب عنايةً فائقة، ومن ذلك ما جاء في النصوص الشرعيّة من تأكيد على حُرمة دم الإنسان، أو أيّ عُضوٍ من أعضائه؛ إذ لا يجوز إيقاع الضرَرَ، ولا الاعتداء عليه؛ بقَتلٍ، أو جَرحٍ، أو خَدشٍ، أو غير ذلك، وهذا الأمر مُحرَّم -كما ذُكِر- باستثناء ما كان لمُوجِبٍ شرعيٍّ فقط، كبَتْر عُضو مريض؛ خوفاً من وقوع ضرر أكبر، أو موتٍ بسببه، ومِمّا يُبيّن اهتمام الشريعة بحِفظ النفس أيضاً ما شُرِّع من الجزاء والعقوبات التي تردع الإنسان عن الاعتداء على غيره، أو الإضرار به، كالدّية*، والقَصاص*، والإثم، والكفّارات*.[١] والأدلّة على ذلك كثيرة، منها قول الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (كلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ)،[٢][٣]


وبالإضافة إلى تأكيد النصوص الشرعيّة على حُرمة دم المسلم، فقد أكّدت أيضاً على حُرمة دماء غير المسلمين، وأموالهم؛ قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا)،[٤] وقال -عليه الصلاة والسلام-: (مَنْ أَمَّنَ رجُلًا عَلَى دَمِهِ فقَتَلَهُ فأنَا بَرِيٌء مِنَ القاتِلِ، وإِنْ كانَ المقتولُ كافِرًا)؛[٥][٦] إذ إنّ غير المسلمين من أهل الذمّة* لهم ما للمسلمين من الحقوق، وعليهم ما على المسلمين من الواجبات، وحقوقهم مُصانة تحظى بالرعاية والحماية والاهتمام كحقوق المسلمين، ومن ذلك: حماية أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم، ودينهم، ومُمتلكاتهم، ويدلّ على ذلك قول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (ألا مَن ظلَم معاهَدًا، أو انتقصَهُ حقَّهُ، أو كلَّفهُ فوق طاقتِهِ، أو أخذ له شيئًا بغير حقِّهِ، فأنا حجيجُهُ يومَ القيامَةِ، وأشارَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بيدِهِ إلى صدرِهِ: ألا ومَن قتلَ رجلًا له ذمَّةُ اللهِ ورسولِهِ حرَّمَ اللهُ عليهِ الجنَّةَ).[٧][٨]


تعريف الدفاع عن النفس

يُعَدّ مصطلح (الدفاع عن النفس) مصطلحاً مُعاصراً تُقصَد به: حماية الإنسان نفسَه، أو مالَه، أو عِرضَه من أيّ اعتداء، وقد أطلق عليه الفقهاء قديماً مصطلح (دَفع الصائل)؛ ولهذا عندما تتحدّث الكُتب الفقهيّة عن دَفع الصائل، فإنّ المقصود على النحو الآتي:[٩]

  • الدَّفع لغة: الإزالة والتنحية، يُقال: دَفَعتُ عُدوانه؛ أي أزلتُه ونَحَّيتُه عنّي.
  • الصائل لغة: اسم فاعلٍ من صال، وهو بمعنى: سطا واعتدى، يُقال: رجلٌ صَؤول؛ أي رجلٌ يضرب الناس، ويقهرهم، ويُقال: صالَ عليه؛ أي سطا عليه ظُلماً وقَهراً له، والصائل هو الذي يعتدي على غيره.
  • الصائل أو الصيال اصطلاحاً: لا يختلف المعنى الاصطلاحيّ للصائل عن اللغويّ في المعنى كثيراً؛ ولذلك يقتصر الفقهاء في الغالب على التعريف اللغويّ؛ لوضوحه؛ وعليه يُعرَّف الصائل بأنّه: الشخص الذي يعتدي على غيره؛ بالنفس، أو المال، أو العِرض بغير حَقٍّ، أمّا الصيال، فهو: عمليّة التعدّي على النفس، أو المال، أو العِرض بغير حَقٍّ.


حُكم الدفاع عن النفس في الإسلام

اختلف الفقهاء في حُكم الدفاع عن النفس عند اعتداء الغير عليها، وبيان أقوالهم فيما يأتي:[١٠]

  • الحنفيّة والمالكيّة: ذهب الحنفيّة، والمالكيّة إلى أنّ الدفاع عن النفس واجبٌ شرعيّ على الإطلاق؛ إذ يجب دَفع الصائل -أي المعتدي-؛ سواء كان مسلماً أو غير مسلم، كبيراً أو صغيراً، عاقلاً أو مجنوناً، آدميّاً أو غير آدميٍّ، كالبهيمة مثلاً؛ بدليل قول الله -تعالى-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)؛[١١] إذ إنّ الاستسلام للمتعدّي على النفس إنّما هو إلقاء لها إلى التهلكة؛ فكان الدفاع عنها واجباً؛ ولقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ)،[١٢] وقاسوا ذلك أيضاً على جواز أكل المَيتة للمضطر؛ كي يحافظ على نفسه من الموت، وكما يُحرَّم على الإنسان قَتل نفسه، فإنّ قتلَه غيره يُحرَّم عليه أيضاً.
  • الشافعيّة: ذهبوا إلى أنّ دَفع المُتعدّي واجبٌ إن لم يكن مُسلماً؛ لأنّ الاستسلام له ذلٌّ في الدِّين، ويدخل في ذلك المُرتَدّ، أمّا إن كان المُتعدّي مسلماً، فيجوز الاستسلام له؛ سواء كان صغيراً أو مجنوناً، وقِيل: يُسَنّ الاستسلام في هذه الحالة، كما أوجبوا الدفاع عن النفس إذا كان الصائل -المُتعدّي- بهيمة، والدفاع عن نفس الغير في الوجوب أو العدم كالدفاع عن النفس عندهم.[١٣]
  • الحنابلة: قال الحنابلة إنّ الدفاع عن النفس جائزٌ لا واجب؛ سواء كان المُتعدّي كبيراً، أو صغيراً، أو مجنوناً؛ مُستدلّين بقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في حال الفِتنة: (اجلسْ في بيتكَ فإن خفتَ أن يبهركَ شعاعُ السيفِ فغطّ وجهكَ)،[١٤] وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (فإن خشيتَ أن يبهَرَكَ شعاعُ السَّيفِ فألقِ ثوبَكَ على وجهِكَ يبوءُ بإثمِكَ وإثمِهِ)،[١٥][١٣] وهذا لا يُعدّ استسلاماً أو جُبناً، بل هو من باب تَرك المُشارَكة في إراقة دم امرئٍ مسلمٍ في حال الفِتنة.[١٦]


حُكم الدفاع عن العِرض

للأعراض حُرمة عظيمة في الإسلام؛ فقد اجتمع فيها حقّان: حَقّ الله -عزّ وجلّ-، وحَقّ العَبد، واتّفق الفقهاء على وجوب الدفاع عن العِرض، ولا سبيل إلى إباحة انتهاك الأعراض بأيّ حال؛ فلو أراد فاسق الاعتداء على امرأة، وجب عليها الدفاع عن نفسها؛ لحُرمة تمكينها له منها، وكذلك شأن أيّ شخصٍ يُعتدى عليه في عِرضه، أو عِرض غيره، حتى ولو لم يكن مسلماً، ويتحقّق وجود هذا الاعتداء بوجود مُقدِّمات الزنا، ويُعَدّ دَفعه واجباً على كلّ مسلمٍ؛ دَفعاً للمُنكَر، ومن الأدلّة على ذلك قول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (...ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ)،[١٢] ولا يختلف هذا الحُكم بالنسبة إلى غير المسلمين من أهل الذمّة؛ إذ إنّ لهم كامل الحقوق التي يتمتّع بها المسلم من الحماية، والرعاية، والعناية؛ قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ألا مَن ظلَم معاهَدًا، أو انتقصَهُ حقَّهُ، أو كلَّفهُ فوق طاقتِهِ، أو أخذ له شيئًا بغير حقِّهِ، فأنا حجيجُهُ يومَ القيامَةِ).[٧][٨]


حُكم الدفاع عن المال

اتّفق الفقهاء على مشروعيّة الدفاع عن المال؛ فقد أولَت الشريعة الإسلامية المال والمُلك أهمّية ومكانة؛ فأباحت للإنسان أن يُدافع عن ماله إن تمّ الاعتداء عليه بالسرقة، ونحوها؛ بدليل قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ)،[١٢] فيُشرَع للإنسان الدفاع عن ماله بالقَدْر المناسب، والوسيلة المناسبة، بغضّ النَّظَر عن قيمة المال؛ قليلاً كان أم كثيراً؛ لأنّ حقوق الإنسان وأملاكه لها قيمة عظيمة في الإسلام، واختلف الفقهاء في حُكم هذا الدفاع على أقوالٍ، بيانها فيما يأتي:[١٧]

  • وجوب الدفاع عن المال عند وقوع العُدوان عليه: ذهب المالكية إلى هذا القول إذا ترتّب على هذا الاعتداء هلاكٌ للنفس، أو إذا كان المال ذا قيمة، وقال الشافعية بهذا الرأي إن كان هذا المال فيه روح، كالحيوانات، أو إن كان حقّاً للغير، كالأمانة، والوديعة، والوَقف، وغيره إذا لم يخشَ المُدافع على نفسه، وعِرضه؛ وهو قولٌ للحنفيّة، واستدلّوا على ذلك بما يأتي:
    • جاء رجل إلى النبيّ -عليه الصلاة والسلام-، وسأله: (يا رَسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مالِي؟ قالَ: فلا تُعْطِهِ مالَكَ قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قاتَلَنِي؟ قالَ: قاتِلْهُ قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قالَ: فأنْتَ شَهِيدٌ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قالَ: هو في النَّارِ).[١٨]
    • قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ)،[١٢] فقد استلزم عِظَم منزلة الثواب والأجر أن يكون الدفاع واجباً.
    • قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ)؛[١٩] إذ إنّ دَفع العُدوان عن مال الشخص، أو مال الغير من باب دَفع المُنكر الواجب على المسلم.
  • اعتبار الدفاع حَقّاً من حقوق المُدافع وليس واجباً عليه: إذ إنّ الأمر راجع إلى صاحب المال؛ فله أن يدافع عنه، وله أن يُسقط حَقَّه في ذلك، وقد ذهب المالكيّة إلى هذا القول إذا لم يترتّب على تَرك الدفاع الهلاك، كما قالبه الشافعية إذا لم يكن المال ممّا فيه رُوح، وهو رأي الحنابلة أيضاً، وقولٌ ثانٍ للحنفيّة، واستدلّوا بما يأتي:
    • قول الله -تعالى-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)،[١١] فحِفظ النفس، والمحافظة عليها، وحمايتها أَولى من حِفظ المال.
    • اعتبار أنّ حُرمة النفس أعظم من حُرمة المال، وقياس المال على النفس أقصى ما يُثبته جواز الدفاع؛ فلا يُوجب ذلك الدفاعَ عن المال، ولا يُجيز قتلَ النفس، كما أنّ المال تجري فيه الإباحة للغير خِلافاً للنَّفْس؛ فللإنسان أن يترك الدفاعَ عن ماله ويفتديَ به نفسه، ويكون له الثواب والأجر على ذلك.
  • وجوب الدفاع عن المال مُطلَقاً مهما كان مِقداره: وقد ذهب إلى هذا القول الحنابلة؛ لقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ)؛[١٢] إذ لم يُحدّد النبيّ مقدار المال المُعتدى عليه، وحتى لا تُهدَر الأموال والأنفس، ولأنّ المُعتدي مُصِرٌّ على ظُلمه، فجازَ للمُعتدى على ماله دَفع الظلم عنه مُطلَقاً.
  • عدم جواز الدفاع عن المال في حالاتٍ مُعيَّنة: فقد ذهب الشافعيّة إلى عدم جواز الدفاع عن المال إذا كان المُعتدي على المال مُكرَهاً ومُجبَراً على ذلك؛ إذ يجب على صاحب المال أن يُحافظ على نَفْس من أُجبِر على ذلك؛ بسبب اضطراره، ونوّه ابن حجر -من الشافعيّة- إلى عدم جواز الدفاع عن المال في حال وجود الفِتنة، وعدم الاستقرار، والتفرُّق، والاختلاف في البلاد.


حُكم الاعتداء على الغَير

يُعدّ الاعتداء على الغير مُحرَّماً شرعاً، وقد ثبت ذلك بعدّة نصوصٍ شرعيّة، منها ما يأتي:[٢٠][٢١]

  • قوله -تعالى-: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).[٢٢]
  • قوله -تعالى-: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).[٢٣]
  • قوله -تعالى-: (وَلا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلّا بِالحَقِّ).[٢٤]
  • قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (كلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ).[٢]
  • قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا).[٤]
  • قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شيئًا بغيرِ حَقِّهِ خُسِفَ به يَومَ القِيَامَةِ إلى سَبْعِ أَرَضِينَ).[٢٥][٢٦]


شروط الدفاع عن النفس والعرض والمال وضوابطه

حدَّد الإسلام العديد من الشروط والضوابط للدفاع عن النفس وما دونها، وهي شروطٌ مهمّة لنَفْي الإثم والضمان* -انظر توضيحها في الحاشية-،[٢٧] ويُقصَد بنَفي الضمان: انتفاء الدِّية والقصاص والكفّارة والإثم عن الشخص الذي دافعَ عن نفسه؛ لأنّه مأمورٌ بذلك،[٢٨] وهذه الشروط والضوابط هي:[٢٩]

  • عدم مشروعيّة الاعتداء: إذ يُشترَط لدَفْع الاعتداء أن يكون غير مشروع؛ بمعنى أن يُسوَّغ للمُعتدى عليه الدفاع عن نفسه؛ لقوله -تعالى-: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ)،[٣٠] أمّا إن كان الفعل مشروعاً، كالأفعال التي تصدر مِمَّن لديه حَقّ التأديب، كالقاضي، والمُعلِّم، والوالد، وغيرهم؛ لاستيفاء حَقٍّ، أو أداء واجب تأديبيّ، فحينها لا يجوز دَفْعه ما لم يتجاوزوا الحَقّ المشروع في ذلك؛ لأنّه لا يُعَدّ اعتداءً؛ فهم يستعملون حَقّاً، ويُؤدّون واجباً.
  • دفْع الاعتداء بالقوّة والقَدر اللازم: اتّفق الفقهاء على وجوب الدفاع عن النفس بأخفّ الطُّرق، وأقلّها ضَرَراً؛ فلا يجوز دَفع الأذى بما هو أشدّ منه مع إمكان دَفعه بالأخفّ باتّفاق الفقهاء، فمَن استطاع الدفاع عن نفسه بالكلام لا يحلّ له الضرب، وإن لم يستطع ذلك إلّا بالضرب باليَد، فلا يجوز له أن يضرب بسوطٍ أو عصا، وإن جاز له الضرب بعصا فلا يجوز له أن يستخدم السلاح للدفاع عن نفسه، فإن لم يستطع الدفاع عن نفسه إلّا بجَرح المُتعدّي، فلا يجوز له أن يقتله؛ لأنّ الأصل حُرمة دمه، ويبقى الدَّفع بالأشدّ على أصله؛ وهو التحريم، فما أمكن دَفْعه بالوسيلة الأقلّ ضرراً لا يجوز دَفْعه بوسيلة أشدّ ضَرَراً، بل بالمقدار اللازم فقط، أمّا إذا دَفَع المُعتدى عليه الأذى بوسيلة أشدّ ضرراً مع مقدرته على دَفعه بما هو أقلّ ضرراً، فإنّه يكون ضامناً لِما أتلفَه؛ سواء في الدِّية، أو القصاص، وغيره؛ لأنّ دَفْعه له لا يُعَدّ شرعيّاً في هذه الحالة، وإذا لم يتمكّن المُعتدى عليه من دَفع الأذى إلّا بالوسيلة الأشدّ، فله أن يدفعه بها، ولا يضمن* -"انظر توضيحها في الحاشية"- ما أتلفَه؛ لأنّه لا يُعَدّ كالباغي*، ولأنّ التَّلَف كان لدَفْع الشرّ، ولا يُمكن دَفْعه إلّا بذلك، وإن تعذّر الترتيب في استخدام الوسيلة الأخفّ، فالأكثر حِدّة؛ بسبب خروج الأمر عن السيطرة والضبط، فلا يُراعى التدرُّج في هذه الحالة؛ إذ إنّه لو رُوعِي لأفضى إلى هلاك المُعتدى عليه، ولو كان بالإمكان دَفع الأذى بالعصا ولم يجد المُعتَدى عليه إلّا السلاح أمامه، فلا يُلام على عدم وجود العصا، وله أن يدفعَ الأذى بالسلاح بشرط أن لا يتحقّق دَفع الأذى إلّا به، وتجدر الإشارة إلى أنّ المقياس الشرعيّ في تحديد مقدار القوّة اللازمة لدَفْع الأذى لا يُمكن تحديده بمقدار ثابتٍ لا يُزاد عليه ولا يُنقَص منه؛ لأنّه يختلف باختلاف الظروف، كالمكان، والزمان، والأشخاص، ووسائل الدفاع الموجودة، فيرجع تقدير ذلك إلى غلبة ظَنّ المُعتَدى عليه والمقرونة بالقرائن، والأحوال، والأسباب عند وقوع ذلك؛ بحيث يكون الدفاع مُتناسِباً مع الاعتداء ما أمكن.
  • تأكُّد وقوع الاعتداء أو كونه على وشك الوقوع: إذ يجوز دَفع المُعتدي عند التأكُّد من وقوع الاعتداء، كضرب المُعتدي للمُعتدى عليه، أو سرقة ماله، أو إتلافه، أو في حال غَلَب على الظنّ أنّ الاعتداء سيقع إن لم يتمّ دَفعه، كمجيء شخص رافعاً السلاحَ، ومُصوّباً له نحو المُعتَدى عليه؛ فيجوز عندئذٍ الدفاع بالقَدر المناسب، ويُعَدّ ذلك دِفاعاً شرعيّاً، أمّا إذا كان الاعتداء غير واقعٍ في الحقيقة، ولم يغلب على الظنّ وقوعه، كالتهديد، أو الوعيد في المُستقبل، فلا يُعَدّ ذلك مُبيحاً للدفاع الشرعيّ؛ لعدم وجود خَطرٍ يستدعي الاحتماء منه بالدفاع في الحال، ويستعين الإنسان في هذه الحالة بالسُّلطات العامّة، وأخذ الحِيطة والحَذر.
  • استمرار المُعتدي في عُدوانه وأذاه: إذ يُشترَط كي يكون الدفاع عن النفس دفاعاً شرعيّاً أن يستمرّ اعتداء المُعتدي على المُعتدى عليه؛ فالدفاع الشرعيّ يكون بابتداء العدوان، ويكون انتهاؤه بانتهاء العُدوان كذلك؛ فلو هرب المُعتدي، أو كَفّ عن الضرب، أو تَرَك سرقة المال وولّى هارباً، أو ألقى سلاحه، أو اندفع أذاه بفِعلٍ آخر، كأن وقع في الماء، أو كُسِرت قدمه، أو حال بينهم جدار ونحوه، فلا يكون الدفاع في هذه الحالة شرعيّاً، ويكون المُعتدى عليه مسؤولاً وضامناً بالقصاص، أو الدِّية إن أضرَّ بالمُعتدي؛ لانتهاء العُدوان، وزواله في هذه الحالة، وينتقل عقاب الجُناة إلى اختصاص وُلاة الأمور، وليس آحاد الناس؛ إذ ليس للإنسان أن يأخذَ حَقّ نفسه بيده وقد انتهى العدوان وزال؛ لأنّ الأصل عِصمة دم المُعتدي في حال زال عُدوانه، وقد أُبِيح فقط؛ لدَفْع شَرّه بالقَدر اللازم، فيرفع الإنسان الأمر إلى وُلاة الأمور الذين يتكفّلون بأخذ حَقّه.


آثار الدفاع المشروع عن النفس والعِرض والمال

بحثَ الفقهاء في مسألة الآثار المُترتِّبة على دَفع المُتعدّي على النفس وما دونها؛ سواء كان ذلك بقَتل الصائل؛ أي المُتعدّي، أو بإتلاف مَنفعةٍ لديه، وفيما يأتي بيان أقوالهم:[٣١]

  • جمهور الفقهاء: ذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة، والشافعيّة، والحنابلة) إلى أنّ المُعتدى عليه لا يضمن* -انظر توضيحها بالحاشية- شيئاً إذا كان قَتل المُعتدي، أو إتلاف منفعةٍ له لا يندفع إلّا بذلك؛ بدليل قول الله -تعالى-: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَـئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ)،[٣٢] ولأنّه مأمور بالدفاع عن نفسه؛ فقد بَيَّن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ثواب الشهادة لِمَن قُتِل وهو يُدافع عن ماله، ونفسه، وعِرضه في حال كان دَفع المُتعدّي جائزاً لسببٍ مُباح وبالقَدْر اللازم -وقد تمّ توضيح ذلك في الضوابط السابقة-، ولأنّ دفع الصائل أو المُتعدّي كان لدَفع شَرّه، فأصبح المُتعدّي كمَن قتلَ نفسه؛ بسبب ارتكابه ذلك الشرَّ، ويكون المُعتدى عليه قد أدّى عَملاً أفادَ فيه المسلمين، فلا يكون عليه قصاص، أو دِية، أو كفّارة.
  • الحنفيّة: ذهبوا إلى وجوب ضمان* -انظر توضيحها بالحاشية- البهيمة، والآدميّ غير المُكلَّف*، كالصبيّ، والمجنون، واستدلّوا على ذلك بعدم مقدرة البهيمة، أو الآدميّ غير المُكلَّف على الاختيار في ذلك، بخِلاف المُكلّف الذي لديه اختيارٌ وقَصد، وهم معصومون* حَقّاً لمالِكهم، فوجبَت الدِّية، ولم يجب القصاص؛ لوجود الفِعل المُبيح لدَفع العُدوان؛ وهو دَفع شَرّهم، وقياساً على المضطر إلى الطعام إذا أكل من طعام غيره فإنّه يضمنه*، فمن باب أولى أن يضمن المُعتدى عليه ما أتلفَه من مُلك الغير، ولأنّ أحكام الصبيّ، أو المجنون تختلف عن أحكام المُكلَّف؛ فعلى الرغم من أنّ الاعتداء ظُلم، إلّا أنّه لا يُنسَب إليهم كما يُنسَب إلى المُكلَّف، فيجب أن يضمنَهم*.


______________________________________

الهامش

*الضروريّات: هي الأمور التي يترتّب على فَقدها اختلالٌ في مصالح الدُّنيا، والآخرة،[٣٣] والضروريات الخمس هي: الدِّين، والنَّفْس، والعِرض، والمال، والعقل.[٣٤]
*الدِّية: ما وجبَ من المال؛ بسبب إتلاف نفوس الآدميّين.[٣٥]
*القصاص: عقوبة تقع على المُتعدّي بمِثل ما اعتدى به؛ الجرح بالجرح، والنفس بالنفس، وما إلى ذلك.[٣٦]
*أهل الذمّة: المُعاهدون الذين يعيشون في دار الإسلام، وقد أُطلِق عليهم هذا الاسم؛ لأنّهم دخلوا تحت عهد المسلمين، وأمانهم.[٣٧]
*الباغي: الظالم المُستعلي.[٣٨]
*الضمان في الشريعة: رَدّ مِثل ما أتلفَه الإنسان، أو ردّ ما يُعادل قيمتَه، أو غرامة التالف وتعويضه، أو تعويض الغير عمّا أتلفَه الإنسان من المال، أو المَنافع، أو الأضرارالواقعة على النَّفْس الإنسانيّة؛ كُلّيةً كانت، أو جُزئيّة.[٣٩]
*المُكلَّف: البالغ العاقل المُخاطَب بأحكام الشريعة الإسلاميّة.[٤٠]
*معصوم: مَن لا يجوز قتله؛ لعدم إتيانه بِما يُوجِب هَدر دَمه.[٤١]


المراجع

  1. بكر أبو زيد (1996م)، كتاب فقه النوازل (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 30-31. بتصرّف.
  2. ^ أ ب رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2564، صحيح.
  3. "حديث مسلم 2546"، www.dorar.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-5-2020. بتصرّف.
  4. ^ أ ب رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 3166، صحيح.
  5. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عمرو بن الحمق، الصفحة أو الرقم: 6103، صحيح.
  6. الشيخ صلاح الدق (2-1-2016)، "حقوق غير المسلمين في الإسلام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 25-4-2020. بتصرّف.
  7. ^ أ ب رواه ابن حجر العسقلاني، في موافقة الخبر الخبر، عن آباء عدة من أبناء أصحاب النبي، الصفحة أو الرقم: 2/184، حسن.
  8. ^ أ ب زياد حمدان محمود ساخن ، الدفاع الشرعي الخاص (دفع الصائل) في الفقه الإسلامي ، نابلس – فلسطين: كلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية، صفحة 92-94. بتصرّف.
  9. د. عبداالله بن سليمان المطرودي (جماد الثاني ١٤٢٧هـ)، "ضوابط الدفاع الشرعي الخاص والآثار المترتبة عليه في الفقه الإسلامي"، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابـها، العدد 37، المجلد 18، صفحة 18-20. بتصرّف.
  10. د. حاتم إسماعيل موسى، دفع الصائل وأحكامه في الشريعة اإلسالمية، رام الله: جامعة القدس المفتوحة، صفحة 4-5. بتصرّف.
  11. ^ أ ب سورة البقرة، آية: 195.
  12. ^ أ ب ت ث ج رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن سعيد بن زيد، الصفحة أو الرقم: 1421، حسن.
  13. ^ أ ب وهبة الزحيلي، كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (الطبعة الرابعة)، سوريَّة - دمشق: دار الفكر، صفحة 4841-4842، جزء 6. بتصرّف.
  14. رواه الألباني، في إرواء الغليل، الصفحة أو الرقم: 2451، صحيح.
  15. رواه الألباني، في صحيح أبي داود، عن أبي ذَرّ الغفاري، الصفحة أو الرقم: 4261، صحيح.
  16. "شرح حديث بالأحكام الصغرى رقم (909)"، www.dorar.net. بتصرّف.
  17. زياد حمدان محمود ساخن (2008)، الدفاع الشرعي الخاص (دفع الصائل) في الفقه الإسلامي ، نابلس - فلسطين: جامعة النجاح الوطنية، صفحة 109-113. بتصرّف.
  18. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 140، صحيح.
  19. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 49، صحيح.
  20. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1404 - 1427 هـ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: مطابع دار الصفوة، صفحة 103، جزء 28. بتصرّف.
  21. "حكم من قتل غير مسلم"، www.islamweb.net، 2-5-2013، اطّلع عليه بتاريخ 9-5-2020. بتصرّف.
  22. سورة البقرة، آية: 190.
  23. سورة المائدة، آية: 32.
  24. سورة الإسراء، آية: 33.
  25. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 2454، صحيح.
  26. محمد التويجري (1431 هـ - 2010 م)، كتاب مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة (الطبعة الحادية عشرة)، المملكة العربية السعودية: دار أصداء المجتمع، صفحة 772. بتصرّف.
  27. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1404 - 1427 هــ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: مطابع دار الصفوة، صفحة 294، جزء 28. بتصرّف.
  28. أ. د. عَبدالله الطيّار، أ. د. عبدالله بن المطلق، د. محمَّد الموسَى (1432 - 2011م)، كتاب الفقه الميسر (الطبعة الأولى)، الرياض - السعودية: مَدَارُ الوَطن للنَّشر، صفحة 187، جزء 7. بتصرّف.
  29. د. عبد االله بن سليمان المطرودي (جماد الثاني ١٤٢٧هـ)، "ضوابط الدفاع الشرعي الخاص والآثار المترتبة عليه في الفقه الإسلامي"، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابـها، العدد ٣٧، المجلد 18، صفحة 25-28. بتصرّف.
  30. سورة البقرة، آية: 194.
  31. د. أمل بنت إبراهيم الدباسي، دفع الصائل وأحكامه، السعودية: جامعة الإمام حممد بن سعود الإسلامية، صفحة 505-511. بتصرّف.
  32. سورة الشورى، آية: 41.
  33. محمد صالح المنجد (13 شوّال 1433)، "الحاجيات والتحسينيات في مقاصد الشريعة"، almunajjid.com، اطّلع عليه بتاريخ 24-12-2019. بتصرّف.
  34. "الأدلة على الضروريات الخمس وترتيبها"، www.islamweb.net، 20-12-2011، اطّلع عليه بتاريخ 10-5-2020. بتصرّف.
  35. "تعريف و معنى الدية في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 9-5-2020. بتصرّف.
  36. "تعريف و معنى القصاص في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 9-5-2020. بتصرّف.
  37. "تعريف و معنى أهل الذمة في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 9-5-2020. بتصرّف.
  38. "تعريف و معنى الباغي في قاموس المعجم الوسيط"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 9-5-2020. بتصرّف.
  39. د. وهبة الزحيلى (1433هـ - 2012م)، نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقة الإسلامي، بيروت / لبنان: دار الفكر المعاصر، صفحة 21-22. بتصرّف.
  40. "تعريف و معنى مكلف في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 9-5-2020. بتصرّف.
  41. "تعريف و معنى معصوم في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 9-5-2020. بتصرّف.