ما معنى الجهاد

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:١٦ ، ٢٢ مارس ٢٠١٧
ما معنى الجهاد

الجهاد في الإسلام

لمّا جاء الإسلام؛ قام على مجموعة من الأسس والأركان؛ حيث إنّ المسلمين في ذلك الوقت كان عددهم قليل ومستضعفين؛ ممّا جعلهم يتعرّضون لظلم قريش وتعذيبهم؛ الأمر الذي أدّى إلى قتل الكثير ممن أسلم في بداية الإسلام حتى هاجر المسلمون فراراً بدينهم إلى الحبشة، وسعى النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى إيجاد مكان أكثر أمناً من مكة -التي أصبحت مكاناً غير مناسب للإقامة فيه- بالنسبة لرسول الله وصحبه في تلك الفترة، حتى استقرّ الأمر ووقع الاختيار على المدينة المنورة التي استعدّ أهلها لاستقبال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المسلمين، فهاجر المسلمون وتركوا أموالهم وأمتعتهم، فنهبها كفار قريش وسلبوها، فما كان من المسلمين حينها إلا أن يسعوا لاسترداد تلك الأموال بالقوة؛ إلّا أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منعهم حتى يأتي أمر الله وإذنه بالسماح لهم بذلك.


حدث أنه وفي طريق عودة إحدى قافلات قريش محملةً بالأموال والممتلكات؛ عرض المسلمون على رسول الله فكرة استرداد أموالهم التي نهبها منهم كفّار قريش عن طريق اعتراض تلك القافلة،[١] حينها جاء أمر الله بالسماح للمسلمين بالقتال والجهاد لأجل استرداد حقوقهم،[٢] قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).[٣]


تعريف الجهاد

الجهاد لغة: من الْجَهْد أو الْجُهْد، وهو بذل الجهد والطاقة، والجهاد والمجاهدة مصدران لقولك جاهد: أي بَذْل الجُهد بالضم، وهو الطاقة وتحمّل الجَهد بالفتح، وهو المشقة في مقابلة العدو والقتال والمقاتلة كذلك.[٤] أمّا الجهاد اصطلاحاً: فهو بذل الجهد في قتال الكفار والمشركين ومن في حُكمِهِم؛ ممّن يضمُر الشرّ للمسلمين، وقيل: هو قتال مسلم كافر غير ذي عهد؛ لإعلاء كلمة الله، أو حضوره له، أو دخول أرضه.[٥]


حكم الجهاد وضوابطه

الجهاد في سبيل الله فرض كفاية على المسلمين؛ بحيث إذا قامت به جماعة، وأدّت حقّه بأن تردّ أعداء الإسلام إذا ما هاجموا الدولة الإسلامية؛ فإنّه في هذه الحالة يسقط عن الباقين، ويكون الجهاد فرض عين على الأمّة إذا لم تقم به تلك الفئة أو الجماعة، أو احتل شبرٌ من أرض الإسلام؛ فإنّه في هذه الحالة يكون فرض عين على جميع المسلمين، فيجب على كل المسلمين الاستنفار حتى تتحرّر تلك البُقعة، ويجب الجهاد على المسلمين في ثلاث حالات هي:[٦]

  • إذا حضروا القتال مع جيش المسلمين.
  • إذا احتلّ العدو أرضاً إسلامية، أو قَدِم إلى بلاد المسلمين بقصد الغزو.
  • إذا دعى إمام المسلمين (القائد) أبناء الأمّة إلى القتال.


شروط الجهاد

يشترط في من أراد الجهاد عدداً من الشروط كما قال الفقهاء منها:[٦]

  • التكليف: بمعنى أن يكون بالغاً عاقلاً؛ فلا يجب الجهاد على الصبيّ أو المجنون أو المعتوه؛ لأنّهم ليسوا أهلاً للتكليف والعبادة التي هي أولى من الجهاد، فيكون الجهاد من باب أولى أن يكون غير مفروضاً عليهم.
  • الحرية: أي أن يكون حرّاً لا عبداً لأحد؛ حيثُ إنّ العبد لا يملك أمرَ نفسه، وبالتالي لم يَجُز له القتال إلا إذا سمح له سيّده بذلك.
  • القدرة: أن يمتلك القدرة والقوة على القتال، وتنقسم القدرة إلى ماليّة وجسديّة.
  • الذكورية: أن يكون ذكراً، فالنساء لم يُفرَض الجهاد عليهن.
  • إذن الوالدين: لا يجاهد المسلم إن لم يسمح له والداه بذلك، فالجهاد يجب أن يكون برضاهما وموافقتهما؛ حيثُ إنّ الوالدين هما أساس وجود الأبناء، وبدون رضاهما لا يجوز الجهاد؛ الذي ربما يؤدي إلى هلاك ابنهما الذي تَعِبا في تربيته.
  • إذن ولي الأمر: لا يجاهد المسلم وحده بدون إذن ولي أمره من المسلمين وإمامهم؛ حيث إنّه هو الموكّل بتقدير وقت وظروف الجهاد، وعواقبه، وإنْ أخطأ أو قصَّر؛ فإنه يتحمّل وزر ذلك لا غيره؛ فيجب الالتزام بأمره.


مراتب وأنواع الجهاد

قسَّم العلماء الجهاد إلى أربع مراتب، وجعلوا بعض مراتبه أنواعاً تندرج تحتها، أمّا مراتب الجهاد فهي: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين، وجهاد الظالمين والعُصاة، وتفصيل ذلك فيما يلي:[٧]


جهاد النفس

هو بذل الوسع والطاقة في شتى الأمور المتعلقة بالنفس البشرية، ولجهاد النفس أربعة أنواع هي:

  • الجهاد بطلب العلم: وذلك يعني أن يُجاهد العبد؛ بأن يسعى لطلب العلم، ويبذل ما بوسعه لتعلُّم وتعليم أمور الدين، والسعي لذلك بكل ما أوتي من قوة؛ لتحصيل ما يفيده في دينه ودنياه من العلوم جميعها، وخاصّة العلوم المتعلقة بالشريعة وعلومها، والعلوم الطبية وغيرها من العلوم المهمّة للبشريّة، والتي لا بدّ منها لاستمرار الحياة وبقائها.
  • الجهاد بالعمل: يُقصد به بذل الجهد في الأعمال والأمور الصالحة من الأمور الدنيوية التي يُقصد بها التقرّب إلى الله تعالى، أو تأمين القوت للتّقوّي على العبادات، أو توفير الكفاية له ولأسرته ومن يعول؛ لذلك سُمّيت أحكام الشرع تكاليف؛ لأنها لا تكون إلا ببذل الجهد والطاقة والوقت، وقد قال سبحانه وتعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)،[٨] فالله -عزَّ وجل- لم يكلّف عباده إلا بما يمكن لهم أداؤه جهداً وبذلاً ووقتاً؛ فبذل الجهد لأجل العمل من أبواب الجهاد التي يؤجر عليها المسلم، ويستوي بذلك العمل القائم على العلم في العبادات والطاعات، أو العمل الدنيوي الذي يقصد المرء به الوصول إلى طاعة الله، والتقوّي عليها، وتأمين قُوْته وقوت عياله.
  • الجهاد بالدعوة إلى الله: باب الدعوة واسع، وهو غير محصور على أهل الاختصاص؛ بل إنّ كلّ مسلم داعية، لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً)،[٩] فالمسلم مُكلّف بالدعوة ولو بأقلّ ما يمكن له التبليغ فيه سواء كان ذلك لأهل بيته، أو جيرانه، أو من يستطيع إيصال الدعوة له؛ وذلك بالموعظة الحسنة، والأسلوب المهذب الجميل.
  • الجهاد بالصبر على مشاق وأتعاب الدعوة والصبر على ما يجده نتيجة دعوته ممن يدعوهم، والكلام على الصبر في الدعوة باب واسع جدًا.


جهاد الشيطان

يكون جهاد الشيطان بدفع وساوسه، وردّ ما يبثّه في نفس المسلم من تزيين للمعاصي أو تعطيل عن الطاعات، ولجهاد الشيطان مرتبتان هما: جهاده بدفع ما يُلقي في نفس العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان، وجهاد الشيطان بدفع ما يوسوس للمسلم من الشهوات والمعاصي، لقوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير)،[١٠]


جهاد الكفّار والمنافقين

هو الجهاد المعروف؛ أي هو الجهاد المقصود عادةً عند ذكر لفظة الجهاد، بينما إذا أُريد من الجهاد غير هذه المرتبة؛ فإنها تُسمّى صراحةً كأنْ يُقال: جهاد النفس، أو جهاد المعاصي، وغير ذلك. ودليل هذه المرتبة قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم)[١١]وينقسم جهاد الكفار إلى أنواع كثيرة منها: الجهاد باللّسان، والمال، واليد، أو إعانة المسلمين. أمّا جهاد المنافقين؛ فمن خلال كشف مخططاتهم وتلاعبهم بالمسلمين، وحقيقة ما يُكنُّون في قلوبهم ويُظهرون في أعمالهم.


جهاد أهل المعاصي والأهواء

ويكون جهاد أهل المعاصي باليدّ للقادر عليه؛ كالسلطان، والوالي، والقاضي، والمسؤول، ولمن لا يقدر على ذلك باليد فباللّسان؛ من خلال النُّصح والتوجيه لهم، فإن أَبَوا ذلك؛ فبإنكار ما يقومون به من المعاصي الظاهرة أمام الناس، ويكون ذلك للخطيب والواعظ ومن له رأيٌ في قومه، أما من عجز عن جهادهم باليد واللسان فيجب أن يُجاهد معاصيهم في قلبه بإنكارها وعدم القَبول بها.


المراجع

  1. "شبهات في السيرة ....الإغارة على قوافل قريش "، إسلام ويب، 10-4-2008، اطّلع عليه بتاريخ 21-3-2017. بتصرّف.
  2. "سبب نزول قوله تعالى: أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا"، إسلام ويب، 23/1/2007، اطّلع عليه بتاريخ 4/2/2017. بتصرّف.
  3. سورة الحج، آية: 39-40.
  4. عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل، أبو حفص، نجم الدين النسفي (1311)، طلبة الطلبة في المصطلحات الفقهية، بغداد: المطبعة العامرة، مكتبة المثنى، صفحة 79. بتصرّف.
  5. محمد بن قاسم الأنصاري، أبو عبد الله، الرصاع التونسي المالكي (1350)، الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية (الطبعة الأولى)، بيروت: المكتبة العلمية ، صفحة 139. بتصرّف.
  6. ^ أ ب صالح بن غانم بن عبد الله بن سليمان بن علي السدلان (1425)، رسالة في الفقه الميسر (الطبعة الأولى)، المملكة العربية السعودية: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 97. بتصرّف.
  7. سعد بن ناصر الشثري (13/7/2012)، "مفهوم الجهاد في الإسلام وشروطه وضوابطه"، السكينة، اطّلع عليه بتاريخ 4/2/2017. بتصرّف.
  8. سورة البقرة، آية: 286.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، الصفحة أو الرقم: 3461.
  10. سورة فاطر، آية: 6.
  11. سورة التوبة، آية: 73.