ما هو الجهاد الأكبر

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٢٨ ، ٩ يوليو ٢٠١٨
ما هو الجهاد الأكبر

الجهاد

يُعرّف الجهاد لغةً بالمبالغة، واستفراغ الوسع في الحرب، أو اللسان، أو ما أطاق من شيءٍ، والجهاد مشتقّ من الجهد؛ أي المشقّة والطاقة، ومنها: أجهد الرجل دابته؛ أي حمل عليها فوق طاقتها، والجهاد يحتاج إلى مدافعة العدو من الكفّار أو غيرهم، وبذل الوسع في ذلك، كما أنّه يشمل الأقوال والأفعال، وأمّا شرعاً فقد عرّف الأئمة الجهاد بتعريفات مختلفة، حيث عرّفه الحنابلة والشافعية بأنّه بذل الجهد في قتال الكفار، وأمّا المالكية فقالوا إنّ الجهاد هو: قتال مسلم كافراً، غير ذي عهدٍ؛ لإعلاء كلمة الله تعالى، أو حضوره له، أو دخوله أرضه، وعرّف الأحناف الجهاد بالدعاء إلى دين الحقّ، وقتال من لم يقبله، وعرّفوه أيضاً بالقتال في سبيل الله -عزّ وجلّ- بالنفس، والمال، واللسان، وبذل الوسع والطاقة، والمبالغة في ذلك، وقد اختلف العلماء في تعريف الجهاد في سبيل الله، حيث إنّ الجمهور حصروا الجهاد في قتال الكفار بالنفس، وقال فريق آخر إنّ الجهاد في سبيل الله يشمل القتال بالنفس، وبالمال، وباللسان واستدلّوا بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (جاهِدوا المشرِكينَ بأموالِكُم، وأنفسِكم، وألسنتِكُم)،[١] وقال أيضاً: (المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسَهُ في طَاعَةِ اللهِ).[٢][٣]


الجهاد الأكبر

رُوي عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حديثٌ لا يصحّ ولا أصل له ، حيث دلّ الحديث على أنّ جهاد النفس أعظم وأكبر من جهاد الكفّار، حيث إنّ جهاد الكفّار أعظم منزلةً ومكانةً من جهاد النفس، ويمكن القول أنّ جهاد الأعداء لا يتم إلّا بعد جهاد النفس وإرغامها حتى تنقاد وتطمئن؛ لأنّ طبيعة النفس تكره القتال، كما قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)،[٤] وللجهاد مراتب عديدة كما بيّن ذلك ابن القيم؛ فمنها: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفّار، وجهاد المنافقين، ويكون جهاد النفس بإرغامها على الصبر في تعلّم الهدى، والعمل به، والدعوة إليه،[٥] وفي الحقيقة إنّ الجهاد الأكبر هو الجهاد في سبيل الله، وأمّا جهاد النفس على ما يعتريها من المعاصي والسيئات فهو الجهاد الأصغر، حيث إنّ بذل الأنفس والاموال في جهاد الأعداء، ودعوة الناس إلى الإسلام، وإنقاذهم من ظلمات الكفر والجهل أمرٌ عظيمٌ، فلا يصحّ أن يُسمّى بالجهاد الأصغر، ولهذا أنكر العلماء الحديث السابق.[٦]


حكم الجهاد والحكمة منه

الجهاد فرض كفائي؛ بمعنى إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، والدليل قول الله تعالى: (وَما كانَ المُؤمِنونَ لِيَنفِروا كافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا فِي الدّينِ)،[٧] ومن الجدير بالذكر أنّ الجهاد يصبح فرض عينٍ على المسلم في الحالات الآتية:[٨]

  • إذا نزل الأعداء في بلاد المسلمين، أو حاصروها، أو هاجموا أهلها.
  • إذا التقى المسلمين والكفّار، وتقابل الصفّان يصبح الجهاد فرض عينٍ على الحاضرين، والدليل قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا لَقيتُمُ الَّذينَ كَفَروا زَحفًا فَلا تُوَلّوهُمُ الأَدبارَ)،[٩] بالإضافة إلى أنّ التوليّ يوم الزحف من الكبائر، إلّا إذا كان المولي متحرّز إلى فئةٍ ليستنصر بها، أو متحرّفاً لقتالٍ؛ أي ذهب ليُحضر قوّةٍ أكبر.
  • إذا كان الجيش بحاجةٍ إلى شخصٍ معينٍ أصبح الجهاد بحقّه فرض عينِ.
  • إذا استنفر الإمام المسلمين للجهاد، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بعد فتح مكّة: (لا هجرةَ، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استُنفِرتُم فانفِروا).[١٠]

وقد شرع الله -تعالى- الجهاد لأسبابٍ ساميةٍ، منها:[٨]

  • دعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإنقاذهم من عبادة الأصنام والطواغيت، كما قال الله تعالى: (وَقاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَ فِتنَةٌ وَيَكونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ).[١١]
  • الانتقام من الكفار وإذلالهم، وإرغام أنوفهم، كما قال الله تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ).[١٢]
  • إزالة الظلم وإعادة الحقوق إلى أهلها، حيث قال الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).[١٣]


قصص من جهاد السلف

كان للسلف عدّة قصصٍ ومواقفٍ في الجهاد في سبيل الله، منها:[١٤]

  • روى أبو أمية الغفاري أنّ خيله كان قريباً من خيل رجلٍ آخرٍ في أحد المعارك، فلمّا اصطف الجيشان وتقابلا، سمع الرجل يُخاطب نفسه قائلاً: ألم أشهد مشهد كذا فقلت لي: أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت، وشهدت مشهد كذا، فقلتي لي أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت، فوالله لأعرضنك اليوم على الله عزّ وجلّ، فإمّا أن يأخذكِ، أو أن يدعكِ، وبعد أن سمع أبو أمية ذلك الكلام أخذ يراقب ذلك الرجل في المعركة، فكان ذلك الرجل في مقدمة الجيش كلّ ما هاجم المسلمون الأعداء، وكلّ ما يتراجع الناس يثبت هو ويدافع عنهم، وبقي ذلك الرجل على هذه الحال حتى وجده صريعاً، وقد طُعن هو ودابته أكثر من ستين طعنة.
  • روى حاتم الأصمّ أنّ شقيق البلخيّ كان معه في قتال الترك، وكانت المعركة حامية الوطيس، فلا يُرى فيها إلّا سيوفاً تقطّع، ورماح تقصر، وروؤساً تتطاير، وبينما هما في الصف قال له البلخيّ: يا حاتم كيف ترى نفسك؟ هل تجد هذا اليوم كالليلة التي زُفت لك فيه عروسك؟ فأجابه حاتم قائلاً: لا والله، فقال أمّا أنا فإنّي أجد هذا اليوم كالليلة التي زُفت به عروسي، ثمّ ذهب بين الصفّين، ووضع رأسه على درعه، ونام، حتى سُمع صوت شخيره.


المراجع

  1. رواه الألباني، في صحيح أبي داوود، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 2504 ، صحيح.
  2. رواه الألباني، في السلسلة الصحيحة، عن فضالة بن عبيد، الصفحة أو الرقم: 549، إسنادة صحيح.
  3. مرعي بن عبد الله بن مرعي الجبيهي الشهري (1423 هـ - 2003 م)، أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي (الطبعة الأولى )، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، صفحة 26-28، جزء 2. بتصرّف.
  4. سورة البقرة، آية: 216.
  5. "الجهاد الأكبر والأصغر"، islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 7-6-2018. بتصرّف.
  6. "الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر"، binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 7-6-2018. بتصرّف.
  7. سورة التوبة، آية: 122.
  8. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين (1424هـ)، الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، صفحة 199-201، جزء 2. بتصرّف.
  9. سورة الانفال، آية: 15.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 3077 ، صحيح.
  11. سورة الأنفال، آية: 39.
  12. سورة التوبة، آية: 14.
  13. سورة الحج، آية: 39.
  14. "مع السلف في الجهاد"، articles.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 7-6-2018. بتصرّف.