مظاهر التجديد في الشعر الرومنطيقي

كتابة - آخر تحديث: ١٠:٠٢ ، ٢١ ديسمبر ٢٠١٧
مظاهر التجديد في الشعر الرومنطيقي

نبذة عن الشعر الرومنطيقي

يُعرف الشعر الرومنطيقي بالشعر الرومانسي وقد كانت فلسفته ومبادئه أول وعيٍ تاريخي حين بلورت المدرسة الرومانسية وعي الإنسان بالزمن وتصوره للتاريخ، وقد انطلق جوهر النظرية الرومانسية في علاقة الأدب بالحياة باعتبار الأدب تعبيراً عن الفرد والمجتمع، إضافةً إلى ربط الأدب بالواقع الاجتماعي والثقافي وتحميله وظيفة هذا الواقع، وقد عارضت الرومانسية الأشكال الأدبية السابقة خاصةً الكلاسيكية منها والتي نظرت إلى الحاضر بوصفه واقعًا منهارًا ومتدهورًا، وكانت ترى في الأدب مجرد محاكاة للأقدمين الذين يمثلون على حد رأيهم النموذج الأرقى للإبداع، أما نتائج ثورة الرومانسيين على الطريقة الكلاسيكية فقد كانت إحلال ملامح تجديدية مكوّنة من منظومة المثل والقيم الإجتماعية والثقافية والأدبية مخالفة بذلك المنظومات السائدة، وقد نشأت الرومانسية كغيرها من المذاهب الأدبية في الغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وانتقلت إلى الثقافة العربية إبّان النصف الأول من القرن العشرين.[١]


مظاهر التجديد في الشعر الرومنطيقي

رفض الرومنطيقيون العرب نظرية الأدب التقليدية وقد عبّروا بثورتهم على الموروث القديم عن هذا الرفض وأحلّوا في شعرهم مبادئ وملامح تعكس نزوعهم إلى التجديد في عددٍ من الملامح وفي هذا المقال نعرض ملامح هذا التجديد على ثلاثة أضرب، وهي:[٢]


ماهيّة الأدب

نظر الرومنطيقيون إلى الأدب باعتباره فرعاً من فروع الفن منه يستمد ماهيته وخصوصيته، وقد فهموا الأدب باعتباره فعلاً قائماً على الخلق والإبداع، يبدأ هذا الخلق بلحظة انفعال عند المبدع يسميها الرومنطيقيون مخاضًا يبدأ منه الأديب عملية الكتابة فهو شرط لها يهيئ استعداداً نفسيًا يسبق عملية الإنشاء الفني والأدبي. وقد سميت هذه اللحظة بالنوبة، وشبهت بالوحي يقول الشابي بإحدى رسائله: (إنّ نوبة الشعر تمتلك علي عواطفي وأفكاري وإنّ ربة الشعر تعزف على قثارتها الذهبية أناشيدها بعنفٍ هائل ترتج له أعصابي المرهفة. ولست أدري متى تسكن النوبة وتتوارى ربة الانشاد في أفقها الغامض البعيد).


مضمون الأدب

كانت ثورة الرومنطقيين على مضمامين التقليدين بما فيها من هامشية وتكلف فقامت بربط مضمون الأدب بالحياة، وقد ظهرت على بعدين هما:[٢]

  • الحياة تعني حياة النفس البشرية باعتبارها عالماً قائماً بذاته، فالتعبير عن عواطف وأحاسيس النفس الإنسانية هو لمضمون الأصيل للأدب في تصوُّر الرومنطيقيين العرب، يقول نعيمة: (وما سلطان الأدب إلا في أنّه أبداً يجول في أقطار النفس باحثا عن مسالكها مستطلعا آثارها)، فهذه النفس ليست مرهونة بزمان ولا مكان وهي واحدة في أصلها وجوهرها لذلك فالحديث عن نفسٍ بشريةٍ بعينها يشمل بالضوروة بقية الأنفس البشرية، وهذه النظرة الشمولة استبعدت النظر إلى النفس بصورة فردية مما ساعد على اتساع الأدب الرومنطيقي للظواهر الاجتماعية وتصويرها وتحليلها والوقوف منها موقفاً واضحاً، فالمنطق المتبع لديهم في تصورهم للنفس اقتصر على العناية بالجوهر واعتبره شاملاً للعرض الاجتماعي.
  • الحياة تعني الوجود وهو البعد الذي تنصهر فيه كافة المخلوقات في وحدة كونية متناسقة على نحو ما بينه الشابي في إحدى مذكراته إذ قال: (فقد كنت أحس بروحٍ علوية تجعلني أحس بوحدة الحياة في هذا الوجود، وأشعر بأننا في هذه الدنيا -سواء في ذلك الزهرة الناضرة، أو الموجة الزاخرة أو الغادة اللعوب- لسنا سوى آلات وتربة تحركها يدٌ واحدةٌ فتحدث أنغامًا مختلفة الرنات ولكنها متّحدة المعاني).
  • اتصاف مضمون الأدب بالانسانية؛ لأنّه يهتم بسبر أغوار النفس البشرية باعتبارها واحدة على امتداد العصور، كما يتصف بالوجودية لأنه ينزل هذه النفس البشرية منزلتها بين الموجودات ويسعى إلى اكتشافها، وهو في كلا الحالتين تصوير للحياة وبحث عن سرّها.


شكل الأدب

يُقصد بشكل الأدب التعبير والصياغة الفنية، حيث نادى الرومنطيقيون العرب بتجديد مكوّنات الصياغة الأدبية، فظهرت على االشكل الآتي:[٢]

  • اللغة: عملوا على تبسيط الكلام الأدبي وجعله متماشيًا مع بساطة الحياة وسهولتها، وتعد هذه الدعوة إلى تبسيط اللغة ذروة الثورية للرومنطيقيين في منظار عصرهم فهم ثاروا على التصور التقليدي للتعامل مع اللغة الذي يقوم على محاكاة القدامى في كلامهم وألفاظهم، فقد قام تجديديهم على تطوير اللغة وربط الكلام الأدبي واللغة العامة بالحياة وجعلهما مواكبين لها وهم بذلك قدموا مفهوماً جديداً للفصاحة إلى الحد الذي أجاز فيه جبران ونعيمة استعمال اللغة العامية في الإنشاء الأدبي باعتباره أقرب إلى حقيقة الحياة والواقع.
  • جمال العبارة الأدبية: اعتبروا هذا الجمال عنصراً أساسياً لإكساب الكلام قيمته الأدبية، ويشير نعيمة في كتابه (الغربال) إلى ذلك بقوله: (الشاعر نبي وفيلسوف ومصوّر وموسيقي وكاهن. نبي؛ لأنه يرى بعينه الروحية ما لا يراه كل بشر، ومصوّر لأنه يقدر أن يكسب ما يراه ويسمعه في قوالب جميلة من صور الكلام)، وقد حاول الشعراء الرومنطيقيين تفسير معنى الجمال في الكلام الأدبي وإكسابه بعداً صوتياً موسيقياً، إضافة إلى توليد الصور وابتداعها.
  • الخيال: ثار الرومانطيقيون على التصور التقليدي للخيال بما يعنيه من قلبٍ للحقائق وابتعادٍ عن الصور المألوفة، وجاء عن عبد الرحمن شكري في مقدمة ديوانه الخامس قوله: (وقد فسد ذوق القراء حتى أنهم إذا رأوا خيالاً يُفسّر حقيقة لم تتملكهم هزة الطرب التي تنوبهم عند قراءة الخيال الفاسد)؛ فالخيال عندهم ليس مجموع التشبيهات بل هو ما يتخيله الشاعر من وصفل جوانب الحياة وشرحٍ لعواطف النفس.


أبرز المبادئ التي قام عليها الشعر الرومنطيقي

شكلت فلسفة الرومنطيقية أساساً مهما قامت عليه مبادئها، وقد تبلورت هذه المبادئ بثلاثة عناصر مهمة ظهرت في كل نتاجاتهم الأدبية من شعرٍ وقصصٍ وتمثيل هي على النحو الآتي:[٣]

  • العاطفة: هي جوهر الشعر وأنبل ما في الإنسان، وهي مادة الحياة كما يراها الرومنطيقيون والتي تختلط فيها اللذة بالألم.
  • الخيال: هو سبيل العاطفة لإدراك حقيقة أسمى من حقائق العلم، وهو صنعة الشاعر العبقري، وهو كلّز ما يتخيله الشاعر من وصفٍ لجوانب الحياة وشرح لعواطف النفس وحالاتها، والفكر وتقلباته، والموضوعات الشعرية وتباينها، والبواعث الشعرية، وهذا يحتاج إلى خيال واسع.
  • الشعر صحيح لا كذب فيه: يهتم الشعر الرومنطيقي ببواطن الأمور لا بظواهرها لذلك لا كذب فيه وإن خالف الواقع، فمفهوم الصدق عند الشاعر الغنائي معناه أن يكون الشعر معبّرًا عن وجدان شخصية متفردة.


المراجع

  1. د.صلاح فضل (2002)، مناهج النقد المعاصر (الطبعة الأولى )، القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات، صفحة 25،26،27. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت فؤاد القرقوري (1984)، أهم مظاهر الرومنطيقية في الأدب العربي الحديث وأهم المؤثرات ، تونس: الدار العربية للكتاب، صفحة 100،101،102،103،104،105،106،107،108،109،110،111. بتصرّف.
  3. د.شكري محمد عياد (1978)، المذاهب الأدبية الونقدية عند العرب والغربيين، الكويت: سلسة عالم المعرفة ، صفحة 99،106،112. بتصرّف.