من هو أحمد عرابي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٨:٠٣ ، ٢٢ يوليو ٢٠١٨
من هو أحمد عرابي

نشأة أحمد عُرابي

يُعَدّ أحمد عُرابي أحد روّاد الحركة الوطنيّة في مِصر للتحرُّر من التبعيّة الأجنبيّة، وهو مِصريّ من أَصْل عِراقيّ، وُلِدَ عام 1841م، في قرية تُسمَّى "هرية رزنة" إحدى القرى في محافظة الشرقيّة، والده محمد عُرابي شيخ القرية وكان عالِماً تقيّاً، أمّا والدته فهي فاطمة بنت سليمان. أبدى أحمد عُرابي اهتماماً بالتعليم منذ صغره؛ فالتحقَ بالكُتّاب، وتعلَّم الأعمال الحسابيّة، والكتابيّة، ثمّ التحقَ بجامع الأزهر وهو ذو 8 سنوات، وأتمَّ هناك حِفظ القرآن الكريم، وقد نشأ أحمد عُرابي يتيمَ الأب بعدما تُوفّيَ والده وعمره 8 سنوات، وتولَّت والدته تربيته لينشأَ طفلاً في أسرة مُتوسِّطة الحال في أرياف مِصرَ.[١]


محطّات في حياة أحمد عُرابي

خلال فترة حياة عُرابي الأولى، خاضَ العديد من التجارب العسكريّة، والمدنيّة، التي كانَ لها الأَثر في تشكيل قناعاته، ومبادئه، وتكوين رغبته بحصول مِصرَ على حرِّيتها من السيطرة الأجنبيّة، والشركسيّة، وفيما يأتي أهمّ هذه المحطات:


أحمد عُرابي في الجيش

بَقِيَ عُرابي في قريته حتى جاءَ أمر تجنيده وعمره 14 سنة، ونظراً لقُدرَته على القراءة، والكتابة؛ فقد عُيِّنَ كاتباً برُتبة بلوك أمين، ورغبةً منه بأن يُصبحَ ضابطاً، عُيّن لاحقاً جاويشاً، ثمّ ترقَّى إلى رُتبة باشجاويش، ثمّ إلى رُتبة مُلازم أوّل، ثمّ يوزباشي، ثمّ رُقِّيَ إلى رُتبة صاغ، ثمّ بكباشي، وأخيراً حصل على أعلى رُتبة لم يصل إليها أحد قبلَه وعمره 20 سنة، وهي قائم مقام، وكلُّ هذه الرُّتَب حصل عليها خلال 6 سنوات من التحاقه بالجيش، وقد تطوَّرت وطنيّة أحمد عُرابي خلال السنوات الأولى من عُمره، ونما شعوره بحاجة بلاده إلى حكومة تُحرِّر المواطن المِصريّ، كما تعرَّض عُرابي للمحاكمة العسكريّة، وحُكِمَ عليه بالسجن 21 يوماً؛ على إثر خُصومة وقعَت بينَه وبين أحد لواءات الشراكسة، وانتهى الحُكْم بفَصْل أحمد عُرابي من الجيش، ومنذ ذلك الحين وعُرابي يحمل كُرهاً للشراكسة، وشعوراً بالظُّلم؛ لسيطرتهم على الجيش.[١]


أحمد عُرابي والحملة الحبشيّة

بعدَ فصل عُرابي من الجيش عملَ في الأعمال المدنيّة، وأحرزَ فيها إنجازاً عظيماً، ووفَّر للخزينة الكثير من الأموال، إلّا أنّه لم يكن يحبّ هذا العمل، فأعيدَ إلى صفوف الجيش، ولكن برُتبة أقلّ، وحُرِمَ من الترقية؛ فازداد سَخَطه على الشراكسة الذينَ كانَ يعتقد أنّ دسائسهم هيَ السبب في عدم ترقيته، وعندما رُتِّبت حملة عسكريّة على الحبشة، عُيِّنَ عُرابي مأموراً للمهمّات ولم يكن جنديّاً مُحارِباً فيها، وقد انتهت هذه الحملة بهزيمة الجيش المِصريّ، كما تركَت هذه الحملة أثراً كبيراً في نَفْس عُرابي؛ لقناعته بأنّ الحملة كانت فكرةً غير صائبة؛ وذلك بسبب استهتار القيادة الشركسيّة، والأجنبيّة بالجيش المِصريّ، ووَضْعه في حملاتٍ لا طائلَ منها.[١][٢]


مُظاهَرة الضبّاط

عندما تأخَّرت رواتب الضبّاط، توجّهوا بزعامة البكباشي لطيف سليم إلى وزارة الماليّة، فتظاهروا هناكَ، حتى حَضَر رئيس الوزراء، ووزير الماليّة، وانهالَ عليهما الضبّاط ضَرْباً، ولم تتوقَّف موجه غَضَب المُتظاهِرين إلّا عندما أُمِرَ بإطلاق النار في الهواء؛ إرهاباً لهم، فتفرَّق المُتظاهِرون، وقد حصلت هذه الحادثة عام 1878م، وأُطلِقَ عليها اسم (مُظاهَرة الضبّاط)، ووُجِّهت تُهمة ترتيب هذه المظاهرة إلى أحمد عُرابي وضابطَين آخرَين، وتمّت محاكمتهم مُحاكَمةً عسكريّة، وأُمِرَ بفَصْلهم من عملهم في منطقتهم، وعَزْلهم في أماكن بعيدة؛ فأُرسلَ عُرابي إلى الإسكندريّة، وبسبب هذه الحادثة ازداد حِقْد أحمد عُرابي على المسؤولين، وهو ما دَفَعه للاتّصال بالوطنيِّين لاحقاً؛ وذلك لمُعاوَنتهم في أفكارهم الإصلاحيّة.[٢]


الثورة العُرابيّة

بدأت الثورة العُرابيّة عام 1881م، على يد أحمد عُرابي وأصحابه في عهد الخديوي توفيق باشا، وهي حركة قوميّة بدأَت بهدف إعطاء الضبّاط الوطنيِّين حقوقهم، وتخليصِهم من الاضطهاد الذي يتعرّضون له على يد الشراكسة، إلّا أنّ الثورة امتدَّت لتصبحَ حركة قوميّة عامّة انضمَّت إليها كافّة طبقات المجتمع، وتوسَّعت أهدافها لتشمل التخلُّص من الحُكْم الاستبداديّ، وحصول الشعب على الحريّات المَسلوبة، وإرجاع السلطة والدستور بِيَد أبناء الدولة.[٣] وقد مرَّت الثورة العُرابيّة بمرحلتين يُمكِن تلخيصهما بما يأتي:[٣]

  • مرحلة الثورة الناجحة: وهيَ المرحلة التي حقَّقَت فيها الثورة انتصاراتٍ عديدة؛ فقد بدأت الثورة العُرابيّة في عَهد وزارة رياض باشا، حينما ثارت جموع الضبّاط والجنود أمام قَصر النيل؛ بسبب احتجاز أحمد عُرابي وأصحابه، وإحالتهم للمُحاكمة العسكريّة، ممّا اضطرّ الحكومة لإطلاق سراح المُعتقَلِين، واستقالة وزير الحربيّة، وتعيين وزير موثوق لدى العُرابيِّين، وبعد فترةٍ تجمهَرَ الجيش في ميدان عابدين؛ للمُطالَبة بإقالة حكومة رياض باشا، وتأليف مجلس نُوّاب وزيادة عدد الجيش، فاضطُرّ الخديوي إلى تحقيق مُطالباتهم، فأُقِيلت حكومة رياض باشا، وأُوكِلت لشريف باشا الذي كان موضع ثقة لدى العُرابيِّين، والذي أسَّس بدوره وزارة دستوريّة، وأنشأ مجلساً نيابيّاً كامل السُّلطة، إلّا أنّ الدولتَين: البريطانيّة، والفرنسيّة لم تكونا راضيتَين عن حصول مِصر على النظام الدستوريّ؛ فبدأت تتدخَّل في شؤون الدولة، وذلك برَفْض إعطاء مجلس النوّاب حقّ تقرير الميزانيّة، بحُجّة المساس بحقوق الدائنين، فأوقفَ شريف باشا تنفيذ هذا البَند، ودَعَمه في ذلك العُرابيّون؛ للإطاحة به، وتعيين محمود باشا البارودي بدلاً منه، وحقّقوا ما أرادوا.
  • مرحلة انتكاس الثورة: وَقَع انقسام بين الخديوي والعُرابيِّين، ضَعُفَت على إثره قوّة المقاومة في البلاد، وانقسمَت إلى مُعسكرَين مُتضادَّين، ممّا أعطى الفرصة للدُّول الأجنبيّة بالتدخُّل في شؤون الدولة، فضَرَبَ الجيش الانجليزيّ الإسكندريّة، وانحاز الخديوي إليهم؛ ممّا أدّى لانهزام العُرابيِّين.


عوامل قيام الثورة العُرابيّة

تعرَّض المِصريّونَ للكثير من الظُّلم تحتَ الاستعمار، حيث كانت مِصر ضعيفة ومُسَيطَراً عليها من قِبَل الرأسماليِّين، وكانَ حاكمها المِصريّ آنذاك محمد توفيق شخصيّة انهزاميّة طائعة للاستعمار، وقد دَعَت مجموعة من الأسباب إلى نشوء الثورة العُرابيّة في مِصر، ومنها:[٤]

  • العوامل الفِكريّة: إنّ الوعيَ المِصريّ كانَ يزداد مع كلّ انتكاسةٍ يتعرَّض لها الشعب، وذلك بفَضْل نُموّ الصحافةِ الأهليّة في السبعينيات، وبَدْءِ نَشْر الجرائد المِصريّة، والانطلاقة التعليميّة التي جعلت مِصرَ قبلةً للمُفكِّرين في عَهد إسماعيل، وظهور شخصيّة عبدالله النديم الذي كانت له قاعدة جماهيريّة كبيرة؛ نظراً لقدراته الأدبيّة المُؤثِّرة، وأدّى ظهور شخصيّة جمال الدين الأفغانيّ، إلى إيجاد الأثر الكبير ليَقَظة الشعوب، كما أنّ تشكيل مجلس نُوّاب مِصريّ لأوّل مرّة عام 1866م، أدّى إلى نُموّ الوَعْي القوميّ المِصريّ.
  • العوامل الاقتصاديّة: تعرَّضَت مِصر للعديد من المشاكل الاقتصاديّة، أهمّها: أزمة القُطن عام 1865م، وانخفاض منسوب فيضان النيل عام 1877م، وانتشار وباء الطاعون بين الماشية، والضَّغط على الشعب لدَفْع الضرائب بشكل غير قانونيّ، وإنشاء صندوق الدَّين العموميّ؛ بسبب الديون المُتراكِمة.
  • العوامل السياسيّة: فقد وقعت مِصر تحتَ الاستعمار والغَزو الأجنبيّ؛ ممّا دَفعَ الشعب إلى الشعور بحاجتهم لحماية كرامتهم وسيادتهم الوطنيّة، بالإضافة إلى سوء الأحوال الدستوريّة، والنيابيّة في مِصر، عدا عن التفرقة العنصريّة، واستغلال مِصر للمصالح الدوليّة وضياع مصلحتها.
  • العوامل العسكريّة: وتمثَّلَت في مُعاناة الجيش المِصريّ من الانقسام، والإهمال، وقِلّة العدد.


نهاية أحمد عُرابي

بَعد ضَرْب الإنجليز للإسكندريّة، انسحبَ عُرابي وأصحابه إلى كفر الدوّار؛ لإعداد خَطّ دفاع بدلاً من الإسكندريّة، فعَزَلَ الخديوي أحمد عُرابي من وزارة الحربيّة، وهو قرارٌ لم يأخذه الشعب بعَين الاعتبار، واستمرَّت المعارك بينَ الجيش المِصريّ المُنحاز للعُرابيِّين، وبين الجيش الإنجليزيّ، ممّا أدّى إلى تعرُّض الجيش الإنجليزيّ للعديد من الهزائم، فلجأ لرَشوة كبار الضبّاط؛ وذلك لمساعدتهم على هزيمة العُرابيِّين، وبالفِعل فقد سلّمَ أحد الضبّاط خطة عُرابي للإنجليز، ممّا أعطاهم المقدرة على هزيمة المِصريِّين، ودخول القاهرة، وحينها قرَّرَ أحمد عُرابي أن يسلِّمَ نفسه؛ دَرْءاً وحَقْناً للدماء وللخراب الذي قد يُلحِقه الإنجليز بالقاهرة، فسُجِن وتعرَّض للمُعاملة القاسية من تعذيبٍ وإهانات، وعندما عُرِضَ للمُحاكمة، نُفِيَت عنه التُّهَم المُوجَّهة إليه، حيث كانَ محكوماً بالإعدام، إلّا أنّ الخديوي خَفَّض الحُكْم، وذلك بتجريده وزملائه من الرُّتَب العسكريّة، والنَّفْي إلى جزيرة سيلان، وصلَ عُرابي وزملاؤه إلى جزيرة سيلان عام 1883م، وعاشَ فيها 19 عاماً، وأنشأ فيها مدرسةً إسلاميّة، وعلّمَ أهل الجزيرة اللغة العربيّة، حتى أُصدِر العَفْو عنه عام 1901م، فعادَ إلى مِصر، وكانت تحت الاحتلال الإنجليزيّ، فعَكفَ على العبادة حتى تُوفِّيَ هناك عام 1911م.[٥]


المراجع

  1. ^ أ ب ت أ.د محمود متولى (2008)، أحمد عرابي، مصر: القراءة للجميع، صفحة 15-21. بتصرّف.
  2. ^ أ ب محمود الخفيف (2012)، أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه، مصر: كلمات عربية للترجمة والنشر، صفحة 28-25. بتصرّف.
  3. ^ أ ب عبدالرحمن الرافعي (1983)، الثورة العرابية والاحتلال الانجليزى (الطبعة الرابعة)، مصر: دار المعارف، صفحة 19،21،22،23. بتصرّف.
  4. أ.د محمود متولّي (2008)، أحمد عرابي، مصر: القراءة للجميع، صفحة 32-36. بتصرّف.
  5. د.إسماعيل عبدالفتاح (2002)، أحمد عرابي الزعيم المصريّ الفلاح، مصر: مكتبة الأسرة، صفحة 22،26،27،29،31. بتصرّف.