نشأة علم الفقه

نشأة علم الفقه

بدء نشأة الفقه في زمن الرسول

بدأ الفقه بالنشوء تدريجياً في زمن النبيّ -صلى الله عيله وسلم-، وكان السبب وراء ذلك حاجة الصحابة إلى معرفة أحكام الوقائع الجديدة التي تقع معهم، وبقي الفقه قائماً يُساعد على تنظيم حياتهم، ومعرفتهم لحقوقهم، ولجلب المصالح لهم، ودرء المفاسد عنهم،[١] وتشمل هذه المرحلة العهدين المكي والمدني، وكان جلُّ اعتمادهم فيه على الوحي، حتى في المسائل التي اجتهدوا فيها مع النبيّ -صلى الله عليه وسلم-؛ حيثُ إن الإقرار فيها في نهاية الأمر كان للوحي.[٢]


وتميز هذا العصر بعدم تأثر الفقه فيه بفقهٍ أجنبيّ؛ ومن أسباب ذلك أُمية النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وعدم جُلوسه مع الآخرين من أصحاب القوانين الأُخرى؛ كالقانون الرومانيّ، وأمّا ما تأثروا به من أخلاق وعقائد باطلة، فقد جاء الإسلام وحرمها عليهم لاحقاً، ثُمّ في المرحلة المدنيّة بدأت التشريعات العمليّة بالنُزول، واكتملت بموت النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، لقوله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا).[٣][٢]


واعتمد الفقه في هذه المرحلة على الوحي، وكانت هذه واحدة من أهم مُميزات الفقه في هذه الفترة،[٤] وكان الناس يرجعون فيه إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم -، فيُفتيهم، ويقضي بينهم، ويُقرهم على المعروف، ويُنكر عليهم المُنكر، ولذلك لم تكُن هناك حاجة إلى تدوين الفقه.[٥]


تطور الفقه في زمن الصحابة

تميّز هذا العصر بكثرة الأحداث والوقائع لكثرة الفُتوحات، واختلاط المُسلم بغيره، فكان لا بُدّ للمسلمين من معرفة الأعراف والأحداث التي عند غيرهم، وكانوا يرجعون إلى الفُقهاء من الصحابة؛ كعُمر -رضي الله عنه، وعلي -رضي الله عنه- وغيرهما، وكان بعض هؤلاء الصحابة قليل الفتوى، وبعضهم من المُكثرين.[٦]


وانتشر في هذا العصر ما يُسمّى بالإجماع؛ حيث كان الخليفة يستدعي فُقهاء الصحابة وإن اتفقوا على رأي واحد اعتبروه إجماعاً لا تجوز مُخالفته، واقتبس الصحابة بعض التنظيمات الإدارية من غيرهم، ولكنهم لم يتأثروا بقوانينهم في أحكامهم،[٦] وكان الصحابة في بداية الأمر يُفتون بما يعرفون من الآيات الكريمة أو الأحاديث الشريفة، ثُمّ يجتهدون بآرائهم في الوقائع الجديدة بحسب العلة التي تعلموها من النبيّ -صلى الله عليه وسلم-.[٧]


وقد تتعددُ آراء الصحابة في المسألة الواحدة للعديد من الأسباب، لعل من أهمها سماع أحد الصحابة حُكماً في قضيةٍ مُعينة لم يسمع بها صحابيٌ آخر،[٧] وبدأت فكرة نُشوء المذاهب في الفقه في عصر الصحابة؛ كمذهب عائشة -رضي الله عنها-، ومذهب ابن عُمر -رضي الله عنه- وغيرهما،[٨] ومن أمثلة اجتهادات الصحابة اجتهاد أبو بكر الصديق في قتال مانعي الزكاة، واستشارته عدداً من الصحابة في ذلك.[٩]


ظهور المدارس الفقهية في زمن التابعين

يُعد هذا العصر امتداداً لعصر الصحابة، وقد تميز بوجود مدرستين؛ إحداهما في الحجاز، والأُخرى في العراق، وكانت مدرسة الحجاز تعتمد على القُرآن والسُنة لأنها موطن الرسالة ويكثر فيها المُحدِّثين، وأمّا مدرسة العراق فكانت تُكثر من الرأي الذي يرجع إلى القياس الأُصولي.[١٠]


وأخذ التابعين ممَّن قبلهم من الصحابة؛ فصار لكل عالمٍ منهم مذهباً ينتسب إليه، وانتشروا بعدها في البلاد؛ فكان بعضهم في المدينة، كسعيد بن المُسيب، وبعضهم في مكة،[١١]واشتهر في هذا العصر ما يُعرفُ بفقهاء المدينة السبعة، وعُرف آخرون بالكوفة، والبصرة، وكان يُرجع إليهم في الوقائع والمسائل.[١٢]


ما بعد عصر التابعين وظهور المذاهب الفقهية

عُرف هذا العصر بما يُسمّى بعهد صغار التابعين، وكبار تابعي التابعين، وقد بدأ في أواخر القرن الأول الهجري، وبداية القرن الثاني، وبدء فيه بتدوين السُنة مع فتاوى الصحابة والتابعين؛ لتكون بمثابة نماذج يُرجعُ إليها لحل مشاكل المُجتمع المُسلم، واشتهر هذا العصر بالتخصصية في المناهج والإتجاهات العلمية بين العُلماء، فمنهم من تخصص في اللغة، ومنهم في الفقه، وغير ذلك.[١٣]


وفي أواخر هذا العصر بدأ ظهور المذاهب الفقهية مُتزامناً مع بدء النهضة العلمية في الدولة الإسلاميّة وكان ذلك في أواخر القرن الرابع الهجري، فظهر علم أُصول الفقه، كما ظهر علم الطبقات الذي يهتم بتقسيم المُجتهدين إلى طبقات،[١٣] واعتمدت المذاهب وأتباعها ما يثقون به في التدوين باختلاف المدرسة التي يتبعوها؛ وهُما مدرستا الحديث والأثر، والرأي.[١٤]


وتميز هذا العصر بما يُعرف بالدور الذهبي للإجتهاد، ودُوّنت فيه المذاهب لثلاثة عشر مُجتهداً، وظهرت المذاهب الإسلاميّة، وانقرض العديد منها منها لعدم وجود اتباعٍ لها، وبقيت منها المذاهب الفقهية الأربعة؛ والتي تتضمن كلاًّ من: المذهب الحنفي، المذهب المالكي، المذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي،[١٥] وقام أصحاب هذه المذاهب بتأسيس القواعد والمبادئ، وتطبيق القياس، كما تميز بامتزاج الفقه بالقضاء؛ حيث كان القاضي قاضياً ومُجتهداً في آنٍ واحد،[١٦] وظهر في هذا العصر نوابغ الفُقهاء، والأئمة المُجتهدون، وأصحاب المذاهب.[١٧]


المراجع

  1. صالح السدلان (1425)، رسالة في الفقه الميسر (الطبعة 1)، السعودية:وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 6. بتصرّف.
  2. ^ أ ب وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 23-25، جزء 1. بتصرّف.
  3. سورة المائدة، آية:3
  4. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 195-196، جزء 32. بتصرّف.
  5. كمال بن السيد سالم (2003)، صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، القاهرة:المكتبة التوفيقية، صفحة 18، جزء 1. بتصرّف.
  6. ^ أ ب وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 25-27، جزء 1. بتصرّف.
  7. ^ أ ب كمال ابن السيد سالم (2003)، صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، القاهرة:المكتبة التوفيقية، صفحة 19-21، جزء 1. بتصرّف.
  8. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة 4)، دمشق:دار الفكر، صفحة 42، جزء 1. بتصرّف.
  9. أبو محمد الحسين البغوي (1997)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (الطبعة 1)، صفحة 29-30، جزء 1. بتصرّف.
  10. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 27، جزء 1. بتصرّف.
  11. كمال ابن السيد سالم (2003)، صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، القاهرة :المكتبة التوفيقية، صفحة 21-22، جزء 1. بتصرّف.
  12. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة 4)، دمشق:دار الفكر، صفحة 42-43، جزء 1. بتصرّف.
  13. ^ أ ب وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 31-40، جزء 1. بتصرّف.
  14. كمال ابن السيد سالم (2003)، صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، القاهرة :المكتبة التوفيقية، صفحة 22-27، جزء 1. بتصرّف.
  15. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة 4)، دمشق:دار الفكر، صفحة 43، جزء 1. بتصرّف.
  16. أبو محمد الحسين البغوي (1997)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (الطبعة 1)، صفحة 27-32، جزء 1. بتصرّف.
  17. لجنة الفتوى بالشبكة الإسلامية (2009)، فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 140، جزء 24. بتصرّف.
286 مشاهدة
للأعلى للأسفل