خصائص الشريعة الإسلامية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٠٧ ، ١٣ يونيو ٢٠١٩
خصائص الشريعة الإسلامية

تعريف الشّريعة الإسلاميّة

الشريعة لغة؛ من شَرَعَ، وهي ما يُبتدَأُ فيه إلى الشَّيء، فنقول: شرع في كذا أي ابتدأ فيه،[١] ومدار هذه الكلمة عند العرب على الظُّهور والوضوح والبيان، وتُطلِق العرب الشريعة على مورد الماء للاستسقاء لظهوره، فيُقال شرعت الإبل؛ أي جعل لها مورداً للماء ترِده، فالشريعة هنا تأتي بمعنى المنهل والمورد، كما تطلقها على الدِّين والمنهاج والطَّريق، قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).[٢][٣]


أمّا الشريعة اصطلاحا؛ فقد قال أهل العلم: "هي وضع إلهي سائغ لذوي العقول"، وعرّفها آخرون بأنها ما شرعه الله -عز وجل- لعباده من الأحكام والعقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات التي تنظّم حياة الإنسان،[٤] والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للشريعة واضحة؛ فمصدرها من الله حيث هو من ابتدأها وسنَّها، بالإضافة إلى وضوحها، كما إنّ الذي يَرِدُها تُغذِّي روحه، وتُصلحه ومجتَمعَه، وتوصله إلى رضوان الله والنّجاة في الدُّنيا والآخرة.[٥]


خصائص الشّريعة الإسلاميّة

تفرَّدت شريعة الإسلام بمجموعةٍ من صفات الكمال التي لا يشاركها فيها أية شرائع أو نظمٍ أو قوانين في أي مكـانٍ في العالم، وهي:[٦]

  • الربانية: فهي شريعةٌ إلهيَّة المصدر، وقد تعهَّد الله بحفظها فهي معصومةٌ من عند الله، قال تعالى: (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ)،[٧] وهي ليست كالشرائع الوضعية التي هي من صُنع البشر فتكون قاصرةً، أو يتطرَّق إليها الخطأ أو الزَّلل، وما دامت الشَّريعة من عند الله صاحب السُّلطان فهي الشريعة الوحيدة التي يحقُّ لها أن تسود على كل الشرائع والقوانين، وإنَّ كونها من عند الله يعطيها هَيْبةً وسلطاناً في النفوس والضَّمائر لا نجده في قانونٍ ما، ولذلك يحرص الإنسان على تنفيذها بصدقٍ وإخلاص.
  • الشمولِية والكمال: نزلت الشريعة الإسلامية لتسع حياة الإنسان والمجتمع الإنسانيِّ من كافة أطرافها وأبعادها، فهي وافيةٌ بمصالح العباد، فلا تناقض ولا اعوجاج فيها بل هي منسجمةُ التركيب، وكلُّ أجزائها صيغت ليُتمّم بعضُها الآخر، وهذا التَّوافق نلاحظه بين الوجهتين الروحيَّة والمادّية في حياة الإنسان؛ فالصَّلاة مثلاً يمتزج فيها الخشوع مع حركاتِ البدن، وقد عُنيت الشريعة بإصلاح الفرد وإصلاح عقله وروحه وفكره وعمله، كما اعتنت بالفرد والأسرة والمجتمع، وجاءت بأنظمةٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ تنظِّم العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان وغيره كعلاقة الحاكم والمحكوم، وعلاقة المسلمين بغيرهم في السِّلم والحرب.
  • العالمية: إنَّ قانون الشريعة قانونٌ عالميٌّ يخاطب الإنسان دون اعتبارٍ للونه أو جنسه أو لغته، فالله -تعالى- خلق البشر ويعلم خصائصهم الإنسانيَّةَ التي يشتركون فيها، والبشر بطبيعتهم يحبُّون أن يسيروا بمنهجٍ يصلحهم، ويحقِّقون من خلاله وحدتهم الإنسانية على وجه الأرض، وقانون الشَّريعة الإسلامية هو الوحيد الذي يصلُح لحُكم الحياة الإنسانية وإصلاحها، فالله -تعالى- أراد الإسلام أن يكون ديناً للبشر كافةً، قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).[٨]
  • التَّوسط والاعتدال: من مظاهر كمال الدين الإسلامي أن تشريعاته جاءت بعيدةً عن جانبي الإفراط والتَّفريط، فكان جديراً بالبقاء والاستمرار على اختلاف الأزمان والبيئات؛ لأنَّ النِّاس لا تُطيق العيش ضمن المُغالاة والتشدُّد أو ضمن الفوضى، ومن هنا تتجلَّى أهمية خاصيّة الوسطيّة التي تميَّز بها الإسلام عن غيره من القوانين الوضعيَّة الأخرى؛ كالنظام الرَّأسماليِ الذي يُبيح الملكيَّة الفرديَّة بشكلٍ مطلق، والنِّظام الاشتراكيِّ الذي قتلها وألغاها واعتبرها عاملاً في تخريب العالم.
بينما أباح الإسلام لكلِّ إنسانٍ أن يُشبِع غريزة حُبِّ التَّملُّك المركوزة في نفسه، ووضع قيوداً عـلى المُلكية الفردية لتُحقِّـق مصلحة الفرد والجماعة؛ بحيث يكون مصدرُ التملُّك حلالاً، وألا تحمل الرَّغبة في التملّك صاحبها على التعدّي على أموال الآخرين وحقوقهم أو الإضرار بهم؛ فقد حرَّم الإسلام جميع وسائل الكسب المُحرّمة كالغشِّ، والسَّرقة، والرِّبا، وغصب الأموال، كما ألزم الإسلام صاحب المال ألَّا يُنفقه إلَّا في الحلال، ورغَّب بالصَّدقة، والزَّكاة، وأعمال البرِّ والإحسان.
  • الجمع بين الثبات والمرونة: إنَّ ما جاءت به الشريعة الإسلامية غيرُ قابلٍ للخطأ والصَّواب كالقوانين الوضعيَّة، بالتالي هي غير قابلةٍ للتغيير أو التعديل أو التَّبديل، فالشريعة استمدَّت قُدسيَّتها من الله تعالى، وقد ضمن الله حفظها وضمن للمسلمين بألّا يجتمعوا على ضلال، فوضع فيها من الخصائص ما يجعلها صالحةً للحياة الإنسانيَّة بكل الأحوال من خلال مبادئها الكلِّية وأحكامها التفصيليَّة، وثبات الشريعة الإسلامية كان أساس وضوح أُسُسِها وأنظمتها الذي أدَّى إلى ثقة الأفراد فيها والاطمئنان إليها، ولا يعني ثبات الشريعة الإسلامية جمودها، فهي واسعةٌ مرنةٌ تسمح للحياة الإنسانية أن تتطوَّر في ظلِّها، وتخاطب فطرة الإنسان مع كلِّ تفاصيلها.
  • مراعاة مصالح البشر: المَقصد العام للتَّشريع الإسلاميِّ كما هو معلومٌ هو رعاية مصالح البشر بكفالة ضروريَّاتهم، وتوفير حاجيَّاتهم، وتأمين تحسيناتهم، فكلُّ حكمٍ شرعيٍّ من أحكام الشَّريعة ما قصد إلَّا واحداً من هذه الثلاثة التي تتكوَّن منـها مصالح النَّاس، فإذا توفّر لأفراد المجتمع ما يكفل تأمين هذه الثَّلاث فقد تحقَّق لهم ما يكفل مصالحهم ويـؤَمِّن سعادتهم، وإلَّا يترتَّب على فقدها اخـتلال نظام الحياة، وشُيوع الفوضى بين النَّاس، ووقوعهم في الحرج والمشقَّة، وخروجهم من مُقتضى الكمال والمُروءة وما تستحسنه العقول السَّليمة.
  • طبيعة الجزاء دُنيويٌّ وأُخرويٌّ: إنّ الجزاء على الأعمال في الشريعة الإسلامية سواء أكان ثواباً أم عقاباً له طبيعة خاصة، فهو لم يكن دنيويّاً فقط كحال النُّظُم والقوانين السَّائدة، إنَّما شَرعه الله -تعالى- وجعله دنيويّاً وأُخرويّاً، عاجلاً وآجلاً معاً، فليست العقوبات على الأعمال المحرَّمة مقصورةً على هذه الحياة، بل هناك ما هـو أشدُّ منها لمن لم يتب في الآخرة، وليست الإثابة على الأعمال الصَّالحة تكون في الدُّنيا فقط، بل هناك ما هو أعظم منها عند الله في الآخرة.
وإنَّ هذه الخاصية جديرةٌ بأن تحْمِل النَّاس على التزام القوانين والتشريعات، وتجعلهم يفعلون ذلك تحت تأثير الوازع الدِّيني قبل الخوف من العقاب الدُّنيوي؛ فمعلومٌ أنَّ سلطان الدِّين والعقيدة على النَّفس لا يعدله سلطانٌ؛ حيث يُوقِظ في نفس الفرد قوَّة الضَّمير فتجعلُ صاحبها حارساً ورقيباً على نفسه قبل القـانونِ والسُّلطة، فـلا ينتهك ولا يتجاوز الحدود، وإن حدث فإنَّه سُرعان ما يعود إلى الرَّشاد والاستقامة والتَّوبة، على عكس النُّظم والقوانين الوضعيَّة التي صرفت جميع اهتماماتها نحو الجزاء الدنيوي، ولذلك لم تـسلم مــن كثـرة محاولات الأفراد للخروج عليها غير مكترثين بالعقوبات التي تتضمَّنها.
  • المثالية والواقعية: الشريعة بتعاليمها ليست مجرَّد قيمٍ عُليا لا يمكن الوصول إليها، وليست مجرَّد تنظير حالم، بل هي تنبثق من واقع الناس، وتتلاءم مع فِطرتهم وميولهم ورغباتهم، وتباين قدُراتهم وما يلحقهم من ضعفٍ ونقائص، وواقعيَّة الشَّريعة تتجلَّى في إلزام الناس بما يطيقون فعله أو الانتهاء عنه، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)،[٩] وفي موازنتها بين المثالية الحالمة التي نادى بها بعض الفلاسفة والتي لا تتحقق، وبين ما يمكن تطبيقه على أرض الواقع، بالإضافة إلى أنّها أقرَّت وعلى وجه العموم كلَّ المبادئ التي تحقّق العدالة وتؤسّسها، كما هو الحال مع أحكام القصاص، وتدرَّجت في فرض التَّكاليف، ووضع القواعد العامة دون تفاصيل في معاملات الناس.[١٠][١١]


مكانة الشريعة الإسلامية في حياة الناس

بعث الله الرُّسل جميعاً بدين الإسلام وأمَرهم بإقامته، وحقيقة هذا الدين توحيد الله في مُلكه، وتدبيره، وأفعاله، وفي أسمائه وصفاته، وفي عبادته، والخضوع لأمره، والدعوة إلى سبيله، وقبول شريعته، والاستقامة على ذلك، والاجتماع وعدم التفرّق فيه؛ فإقامة الدين معناها قبوله، والتزام ما فيه، والدعوة إليه، والسَّير على نهجه، والثَّبات عليه، والاجتماع على ذلك قولاً وعملاً وعقيدةً، ولمَّا كان نبيّنا محمد -صلى الله عليه وسلَّم- خاتم النَّبيِّين؛ ولمّا كانت رسالته للنِّاس كافةً؛ كانت شريعته أكمل الشرائع وأوفاها وأتمّها انتظاماً لمصالح العباد في الدنيا والآخرة؛ فقد أكمل الله لهذه الأمة دينها في جميع المعاني وجعلها صالحةً للناس في جميع ظروفهم وأحوالهم، وقد أرشدنا الله إلى أنّ السعادة والقوَّة والعزَّة في اتِّباع الشريعة، والتمسّك بها، والدعوة إليها، والحفاظ عليها، قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا)،[١٢] فلا هداية ولا إيمان إلا باتّباع محمد -عليه الصلاة والسلام- والسير على نهجه.[١٣]


أهداف الشريعة الإسلامية

جاءت الشريعة الإسلامية لتحقّق مقاصد عدَّةً، أهمّها:[١٤][١٥]

  • أولاً: إعداد الفرد جسمياً، وعقلياً، وخُلقياً، وذلك من خلال تربيته وتعليمه، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).[١٦]
  • ثانياً: تحقيق مصالح النَّاس من خلال إقامة العدل بينهم ولو على حساب النَّفس، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّـهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)،[١٧] وحتَّى لو كان مع الأعداء، قال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).[١٨]
  • ثالثا: الحفاظ على الكُلّيات الخمس، وهي حفظ النَّفس، والعقل، والدِّين، والمال، والعِرض؛ فالمحافظة على هذه المصالح الخمسة تعني المحافظة على المصالح الفردية والمصالح الجماعية العامَّة والتي تعتبر قوام الأمّة وتماسكها.
  • رابعا: تحقيق الحرِية والمساواة بين الأفراد؛ فالشريعة الإسلامية ضيّقت مداخل العبوديَّة لغير الله، وساوت في القيمة الإنسانية المشتركة بين الأفراد.
  • خامسا: حفظ نظام الأمّة، وتحقيق الإيجابية والتوازن بين أفراد المجتمع.


مراجع

  1. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 117، جزء 3. بتصرّف.
  2. سورة المائدة، آية: 48.
  3. ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار صادر، صفحة 175-176، جزء 8. بتصرّف.
  4. د. فارس العزاوي (14-9-2014)، "مفهوم الشريعة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 7-5-2019. بتصرّف.
  5. د. عمر الأشقر، خصائص الشريعة الإسلامية، الكويت: مكتبة الفلاح، صفحة 12. بتصرّف.
  6. د. عمر الأشقر، خصائص الشريعة الإسلامية، الكويت: مكتبة الفلاح، صفحة 35-90. بتصرّف.
  7. سورة الحجر، آية: 9.
  8. سورة الفرقان، آية: 1.
  9. سورة الحج، آية: 78.
  10. "واقعيّة الشريعة الإسلامية"، www.islamweb.net، 11-1-2014، اطّلع عليه بتاريخ 7-5-2019. بتصرّف.
  11. المفتي الدكتور حسان أبو عرقوب (6-3-2016)، "واقعية التشريع الإسلامي"، www.aliftaa.jo، اطّلع عليه بتاريخ 7-5-2019. بتصرّف.
  12. سورة الجاثية، آية: 18.
  13. "الشريعة الإسلامية ومحاسنها وضرورة البشر إليها"، www.binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 7-5-2019. بتصرّف.
  14. السيد سابق، خصائص الشريعة الإسلامية ومميزاتها، صفحة 10-13. بتصرّف.
  15. سامي بن خالد الحمود، "أهداف التشريع الإسلامي"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 7-5-2019. بتصرّف.
  16. سورة الجمعة، آية: 2.
  17. سورة النساء، آية: 135.
  18. سورة المائدة، آية: 8.