طريق هجرة الرسول

كتابة - آخر تحديث: ١٠:٥١ ، ١٧ نوفمبر ٢٠٢٠
طريق هجرة الرسول

طريق هجرة الرسول إلى المدينة

بدأت هجرة النبي -عليه الصلاة والسلام- مُنذ ذهابه إلى منزل صاحبه أبي بكرٍ الصديق -رضي الله عنه-، حيث كان منزله في أسفل مكة، واتّجهوا إلى غار ثور، ومن هناك ليذهبوا إلى المدينة المنورة، وكان معهم مولى أبو بكر عامر بن فهيرة -رضي الله عنه-، وعبد الله بن أُريقط الذي كان دليلهم في هجرتهم، وكان -عليه الصلاة والسلام- قد استأجره لحِنكته وحذاقته بالطُّرق ومسالكها، وقد روت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فقالت: (واسْتَأْجَرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِن بَنِي الدِّيلِ، وهو مِن بَنِي عبدِ بنِ عَدِيٍّ، هادِيا خِرِّيتًا، والخِرِّيتُ الماهِرُ بالهِدايَةِ، قدْ غَمَسَ حِلْفًا في آلِ العاصِ بنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وهو علَى دِينِ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فأمِناهُ فَدَفَعا إلَيْهِ راحِلَتَيْهِما، وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثِ لَيالٍ، براحِلَتَيْهِما صُبْحَ ثَلاثٍ، وانْطَلَقَ معهُما عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ، والدَّلِيلُ، فأخَذَ بهِمْ طَرِيقَ السَّواحِلِ)،[١] وكان طريق هجرة النبي وصاحبه أبي بكر مختلفاً تماماً عن أيّ طريقٍ كان يسلكه الناس في ذلك الوقت، وذلك لكي لا يستطيع أحدٌ أن يتعقّبهم أو يُباغتهم في طريقهم، وقال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-: "ونهضوا أي الرسول وصحبه قاصدين على غير الطريق المعهودة".[٢]


وقد أخبرت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الحديث عن الأماكن التي مرَّ بها الرسول -عليه الصلاة والسلام- ووالدها أبو بكر -رضي الله عنه-؛ فبدأوا بمرورهم من أسفل مكة مع مولى أبيها والدليل عبد الله، ثمّ اتّجهوا الى مُحاذاة الساحل أسفل عُسفان، ثم مضوا حتى تجاوزوا قُدَيْداً، وساروا للخَرّار، واتّجهوا بعدها لثنية المرة، ثم أكملوا طريقهم من المدلجة؛ وهي بين طريق عُمق وطريق الروحاء، فوصلوا لطريق العرْج، ثم أكملوا من طريق الماء؛ ويُقال له الغابر عن يمين ركوبة، حتى وصلوا إلى بطن رئم، مُكملين الطريق إلى المدينة المنورة، وصولاً إلى بني عمرو بن عوف فيها أخيراً.[٣]


وقد ذكر ابن اسحاق -رحمه الله- مسار طريق هجرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- وصاحبه -رضي الله عنه-، فقال: إنهم توجّهوا أسفل مكة، مُستمرّين حتى الساحل، وصولاً إلى أسفل عُسفان، ثم إلى أسفل أَمَج، وكانوا قد اجتازوا من الطريق حتى وصلوا قُديداً، وأكملو منها الى أن وصلوا وادي الخرّار، مُكملين حتى ثنيّة المَرَّة، فأخذهم الدليل من طريقٍ يسمّى لقفاً، مُتجاوزين منه مُدلجة لَقَف، ثم دخلوا إلى مُدلجة مِجاج، ومنها إلى مرجح مِجاج، حتى وصلوا إلى ذي كَشْرٍ، فساروا من الجُداجد، ثم الأجرد، ووصلوا بعدها ذا سُلم من داخل أعداء مدلجة تِعْهِن؛ وتعني العين، وصولاً إلى العبابيد، ثم القاحة، ثم العرْج، ثم ثنيّة الغائر، فبطن رئم، وصولاً إلى قباء لبني عمرو بن عوف، وكان ذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيعٍ الأول.[٤][٥] وفيما يأتي توضيحٌ للأماكن والطّرق التي مرّوا منها:[٦]

  • عُسْفَانُ: وهي بلدة تقع شمال مكة، وتبعد عنها بثمانين كيلو متراً.
  • قُدَيْدٌ: وهو وادٍ من أودية الحجاز.
  • الخرّار: هو وادي الجحفة وغدير خمّ، يقع شرق رابغ بنحو خمسٍ وعشرين كيلو متراً.
  • ثنية المرَّة: مكان بين غدير خم والفرع.
  • المدلجة: هي روافد الماء بين الأودية، وهم أربع مدالج: لقْف، ومجاج، وثقيب، وتِعهِن، وتقع بين وادي الفرع والقاحة.
  • العرج: هو وادٍ من أودية الحجاز، يقع جنوب المدينة على بعد مئة وثلاثة عشر كيلو متراً.
  • ركوبة: طريقٌ صعب بين مكة والمدينة، ويسمّى الآن بريع الغائر.
  • بطن رئم: هو وادٍ من روافد وادي النقيع.
  • أمج: هو وادٍ زراعي شمال مكة بنحو مئة كيلو متراً.
  • لِقْفٌ: وهو رافد وادي الفرع.
  • كَشْرٌ: جبلٌ بين مكة والمدينة.
  • الجَدَاجِد: الأرض المستوية، وهي آبار قديمة.
  • ذو سلم: وادٍ في الحجاز.
  • تِعهِن: عين ماء بين مكة والمدينة، وهي من روافد وادي القاحة.
  • العبابيد: وهي أرض غير معروفة لليوم.
  • القاحة: هو وادٍ قبل المدينة.


سبب هجرة الرسول

هاجر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة لمّا اشتدّ أذى المشركين، وضاقت الحال بهم في مكة المكرمة، إلا أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يهاجر معهم؛ لانتظاره الإذن من الله -تعالى-، وقد نُقل عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه لمّا سمعت قريش إيمان أنصار المدينة برسول الله وهجرة أصحابه إليهم؛ خافوا أن يمتدّ نفوذه وتبدأ الحرب بينهم، فاجتمع الملأ يتآمرون على محمد -عليه الصلاة والسلام- بدار الندوة حتى يجدوا حلّاً يمنعوا به رسول الله من الخروج للمدينة، فمنهم من اقترح أن يُحبس -عليه الصلاة والسلام- في منزله ويُغلقوا عليه الباب، ومنهم من رأى أن يُخرجوه وينفوه من مكّة فلا يعنيهم أمره بعد إخراجه منها.[٧]


أمّا أبو جهل فاقترح قتله عن طريق عدّة أشخاصٍ من قبائل مختلفة، بحيث يقتلوه ضربة رجلٍ واحدٍ كي لا يقوى أحدٌ من بني هاشم على أخذ الثأر من قاتليه، ويصعب عليهم ذلك فيقبلوا الدّية، وقد قبِل الجميع بهذا الاقتراح، وعلِم النبيّ -عليه الصلاة والسلام- بتآمر المشركين عليه لمّا أتى جبريل -عليه السلام- يُوحي إليه بأمر الله -تعالى- أن لا ينام في مكانه هذه الليلة، وأن يذهب مُهاجراً إلى المدينة المنورة مع صاحبه أبي بكر -رضي الله عنه-، فنام في مضجعه تلك الليلة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وبسبب ذلك أُطلق عليه لقب أول فدائي في الإسلام.[٧]


أحداث على طريق هجرة الرسول

التجأ النبي -عليه الصلاة والسلام- وصاحبه أبو بكر في طريق هجرتهم إلى غار ثور؛ ليتواروا عن أنظار المشركين، وكان المشركون قد وصلوا إلى مدخل الغار، فخاف أبو بكر -رضي الله عنه- من أن يكشفهم المشركون، إلا أن نبي الله طمأنه، وقال له إن معهم الله -تعالى-، أخرج الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه ما رواه أبو بكر -رضي الله عنه-، حيث قال: (كُنْتُ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الغَارِ، فَرَأَيْتُ آثَارَ المُشْرِكِينَ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لو أنَّ أحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قالَ: ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا)،[٨] فوحْده الله -تعالى- في هذه الهجرة من سيحفظهم، ويحميهم من أذى المشركين، ويؤيّدهم بجنودٍ تحرسهم، وستكون كلمة الله هي الحق، وقد ذكر الله -سبحانه- ذلك في كتابه الحكيم، فقال: (إِلّا تَنصُروهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذينَ كَفَروا ثانِيَ اثنَينِ إِذ هُما فِي الغارِ إِذ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحزَن إِنَّ اللَّـهَ مَعَنا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنودٍ لَم تَرَوها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السُّفلى وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ العُليا وَاللَّـهُ عَزيزٌ حَكيمٌ)،[٩] ولمّا أوكل الرسول وصاحبه أمرهم إلى الله -تعالى- وأيقنوا أن الأمر كلّه بيده؛ رزقهم الله التثبيت والسكينة، وأبعد عنهم الظالمين، إذ قال الله -تعالى-: (يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذينَ آمَنوا بِالقَولِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظّالِمينَ وَيَفعَلُ اللَّـهُ ما يَشاءُ).[١٠][١١][١٢]


كانت قريش قد وضعت جائزةً مقدارها مئة ناقةٍ لمن يجد محمّداً ويُحضره إليهم، وسمع بذلك رجلٌ اسمه سُراقة، فأخذ فرسه وذهب وراء أثر رسول الله طَمَعاً بالجائزة، ولمّا أدرك النبيّ وصاحبه وقارب على الإمساك بهم؛ انغمست قدما فرسه بالأرض، وأَبَت أن تخرج، فأيقن أن ذلك كان عائقاً بينه وبين رسول الله وصاحبه، فأخذ يُنادي بصوتٍ عالٍ ويُعرّف عن نفسه بأنه سراقة بن جعشم، وأنه لا يريد بهم الأذى أبداً، وإنما يريد محادثتهم، وطلب أن يكتب له رسول الله كتاباً يكون آية بينه وبينهم، ففعل رسول الله، ومضى كلٌ منهم في طريقه، وعاد سُراقة لقومه ولم يُكلّم أحداً عن رسول الله، وكان سُراقة قد أسلم بعد فتح مكة، وقد شهد فتح مدائن كسرى على يد سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، فناداه خليفة المسلمين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأعطاه سِواريّ كسرى؛ لأن رسول الله قد وعده وبشّره بالحصول عليها عند إسلامه، ووفّى الخليفة بكلام رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.[١٣]


وخلال هجرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- استراح عند أم معبد الخزاعية، وهي امرأة كبيرة هَرِمة، فسألها الرسول إن كان عندها لحماً أو تمراً لنفاد زادهم، ولكن لم يجدوا شيئاً، فوجد الرسول عند خيمتها شاةً مُتعبة وهزيلة، فطلب منها رسول الله أن يحلبها رغم هزلها، فسمّى الله -عز وجل- وبدأ -عليه الصلاة والسلام- يحلب، وإذا بلبنٍ كثيرٍ يخرج منها ويروي كلّ أصحابه، وشرب -عليه الصلاة والسلام- وحلبها مرّةً أخرى، ووضع الحليب بإناءٍ لأم معبد ورحل، وعند عودة زوجها تعجّب لوجود شاة حلوب في منزلهم، فطلب منها وصف ما حدث، فحدّثته عن الرسول، وقالت وصف رسول الله: (رأيتُ رجلًا ظاهرَ الوضاءةِ، أبلجَ الوجهِ، حسَنَ الخلقِ، ... إن صمتَ فعليهِ الوقارُ، وإن تَكَلَّمَ سماهُ وعلاهُ البَهاءُ، أجملُ النَّاسِ وأبهاهُ من بعيدٍ، وأحسنُهُ وأجملُهُ من قريبٍ، حُلوُ المنطقِ فَصلًا، ... فَهوَ أنضرُ الثَّلاثةِ مَنظرًا وأحسنُهُم، قدرًا لَهُ رفقاءُ يحفُّونَ بِهِ، إن قالَ: سمِعوا لقولِهِ، وإن أمرَ تبادروا إلى أمرِهِ).[١٤][١٥]


المراجع

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 3905، صحيح.
  2. عبد القدوس الأنصارى (1978م)، طريق الهجرة النبوية (الطبعة الأولى)، جدة: مطابع الروضة، صفحة 33-36. بتصرّف.
  3. محمد الصوياني (2004م)، السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (الطبعة الأولى)، المملكة العربية السعودية-الرياض: مكتبة العبيكان، صفحة 279، جزء 1. بتصرّف.
  4. ابن كثير (1976م)، السيرة النبوية، لبنان-بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 255-256، جزء 2. بتصرّف.
  5. محمد أبو زهرة (1425هـ)، خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، القاهرة: دار الفكر العربي، صفحة 462، جزء 1. بتصرّف.
  6. راغب السرجاني (21-4-2010)، "طريق الهجرة من مكة إلى المدينة"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 5-11-2020. بتصرّف.
  7. ^ أ ب شمس الدين السفيري (2004م)، < i>المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية</i> (الطبعة الأولى)، لبنان-بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 137-138، جزء 1. بتصرّف.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي بكر الصديق، الصفحة أو الرقم: 4663، صحيح.
  9. سورة التوبة، آية: 40.
  10. سورة إبراهيم، آية: 27.
  11. محمد الشعرواي، الهجرة النبوية، صفحة 127-132. بتصرّف.
  12. مسعود صبري، "الهجرة في ظلال القرآن الكريم"، www.archive.islamonline.net، اطّلع عليه بتاريخ 17-11-2020. بتصرّف.
  13. محمد ابن حديدة، المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي، لبنان-بيروت: عالم الكتب، صفحة 159-163، جزء 2. بتصرّف.
  14. رواه الحاكم، في المستدرك على الصحيحين، عن هشام بن حبيش بن خويلد، الصفحة أو الرقم: 3/543، صحيح الإسناد.
  15. محمد الصوياني (2004م )، السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (الطبعة الأولى)، المملكة العربية السعودية-الرياض: مكتبة العبيكان، صفحة 274-276، جزء 1.بتصرّف.