عنترة بن شداد

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٤١ ، ١١ مايو ٢٠١٦
عنترة بن شداد

عنترة بن شداد

في أعماق الصحراء الموحشة، عاش عنترة بن شداد في طبقة منبوذة بنظام قبلي مقدس، إنها طبقة العبيد، وفي تلك البيئة القاسية التي اجتمعت فيها قسوة الصحراء الرهيبة، وحرارة شمسها اللافحة المحرقة مع قسوة النظام القبلي الذي لم ير في عنترة سوى خادم بسبب غربة لونه التي ورثها عن أمه المعروفة بزبيبة وكانت أميرةً حبشية أُسرت في هجمة على قافلتها، وبالرغم من أن عنترة ولد لأب عربي أصيل إلّا أن العرب كانت لا تعترف ببني الإماء.


ذاق عنترة مرارة العيش وقسوة الحياة من أهل بيته حيث كان عبداً سيده أبوه، ما أكسبه شدّة البطش فكان إذا نظر تطاير الشرر من عينيه، وكان ضخماً، عبوساً، صلب العظام، عريض المنكبين، وشعره أجعد. وقد انعكست آثار هذه الحياة القاسية على نفسيته فطبعتها بطابعها القاتم، وقد أظهر بعض شعره نفسيته الممزقة، في واقعه المحطم، حياة تلونت بالقهر والظلم الاجتماعي فنجده يذكرها:


أيا صادحاتِ الأيكِ إن متُّ فاندُبي

على تُرْبتي بين الطُّيور السَّواجع


ونُوحي على من مات ظلماً ولم ينلْ

سِوى البُعدِ عن أحْبابِهِ والفَجائع


خلق عنترة وصفاته

تعالى عنترة على كلّ صنوف القهر، والظلم، واستطاع أن يندمج في ذلك المجتمع البدوي المجحف بحقه، وحق أقرانه فصور كرمه، وعفته، وشجاعته، وتفضله على قومه بنفسية متمرّدة ثائرة متعالية على جراحهاعلى نحو نجدة في قوله:


يُخْبِـركِ مَنْ شَهَدَ الوَقيعَةَ أنَّنِـي

أَغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ


ولقَـدْ شَفَى نَفْسي وَأَذهَبَ سُقْمَهَـا

قِيْلُ الفَـوارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْـدِمِ


الحكمة في شعر عنترة

عرف عنترة بجزالة شعره، وكان للحكمة نصيب وافر فيه، أكسبته إياها تجربته الفريدة في حياته ومن روائعه:


يقولُ لكَ الطبيبُ دواك عندي

إذا ما جسَّ كفكَ والذراعا


ولو عرَفَ الطَّبيبُ دواءَ داء

يَرُدّ المَوْتَ ما قَاسَى النّزَاعا


حبّ عنترة لابنة عمه

اشتهر عنترة بقصة حبه لابنة عمه عبلة بنت مالك، وكانت من أجمل نساء قبيلتها، ولكن غربة لونه أعاقت هذا الحب الطاهر الرقيق، فقد كان عنترة يحمل بين أضلعه قلباً رقيقاً رغم كل ما قاساه من ظلم ومجافاة قومه، فتشكل حبه لعبلة من خيوط أقرب إلى الأسطورة والخيال منها إلى الواقع، ومنها أن عنترة تقدّم إلى عمه مالك يخطب ابنته عبلة، ولكنّه رفض أن يزوج ابنته من عبد. ويقال: إنه طلب منه تعجيزاً له وسداً للسبل في وجهه ألف ناقة من نوق النعمان المعروفة بالعصافير مهراً لابنته، ويقال: إن عنترة خرج في طلب عصافير النعمان حتّى يظفر بعبلة، وإنه لقي في سبيلها أهوالاً جساماً، ووقع في الأسر، ثمّ تحقق حلمه في النهاية وعاد إلى قبيلته ومعه مهر عبلة ألفاً من عصافير الملك النعمان. ولكنّ عمه عاد يماطله ويكلفه من أموراً لا طاقة له بها، ثمّ فكر في أن يتخلص منه، فعرض ابنته على فرسان القبائل على أن يكون مهرها رأس ابن عمها.


انقسم الرواة إلى قسمين: قسم ذكر أنّ عنترة فاز بعبلة، وقسم ذكر أن هذا الحب قتله عادات ذلك المجتمع الظالمة، ومن أشعاره التي ذكر فيها عبلة:

أَلا يا عَبلَ قَد زادَ التَصابي

وَلَجَّ اليَومَ قَومُكِ في عَذابي


عاش عنترة حياة حافلة تمثلت في صبره الطويل، وتعاليه واحتماله المشاق، تكلّلت باعتراف والده به واستلحاقه بنسب أبيه، وفرض نفسه منتزعاً حقوقه بإرادة لم تعرف الضعف يوما ولم تستكن له. ومن أشهر قصائده في هذا المجال:


أُعاتِبُ دَهراً أُعاتِبُ دَهراً لا يَلينُ لِعاتِبِ

وَأَطلُبُ أَمناً مِن صُروفِ النَوائِبِ


يُنادونَني في السِلمِ يا ابنَ زَبيبَةٍ
وَعِندَ اصطِدامِ الخَيلِ يا ابنَ الأَطايِبِ