كيفية الخشوع في قراءة القرآن

كتابة - آخر تحديث: ١١:٤١ ، ١١ أغسطس ٢٠٢٠
كيفية الخشوع في قراءة القرآن

الخشوع في قراءة القرآن

يُعرَّف الخشوع في اللغة بأنّه: الخضوع، والتذلّل، ويُعرَّف في الشرع بأنّه: خضوع القلب، وتذلّله لله -سبحانه-، كما عرّفه بذلك الإمام ابن القيّم -رحمه الله-، وقِيل بأنّه: القبول، والانقياد إلى الحقّ والصواب دون أيّ مانعٍ، حتى وإن اختلف الحقّ مع الهوى والرغبة، وأضاف ابن رجب الحنبلي في تعريف الخشوع أنّه: رقّة القلب مع اللين والانكسار والحُرقة، ووالخشوع مصدره القلب، وآثاره تظهر على الجوارح،[١] ومن المواضع التي يجدر بالمسلم الخشوع فيها أثناء تلاوته لآيات القرآن الكريم؛ سواءً في الصلاة أم خارجها، إلّا أنّه في الصلاة آكدٌ.[٢]


كيفية الخشوع في قراءة القرآن

الخشوع في تلاوة القرآن الكريم يتحقّق بمراعاة عدّة أمورٍ، وفيما يأتي بيانٌ لبعضها:

  • تدبُّر آيات القرآن، وفهمها، والعلم بأنّ القرآن الكريم وحيٌ مُرسلٌ إلى محمّدٍ -عليه الصلاة والسلام-، وأنّه أُنزِل للمسلمين كافّةً، وأنّه وجّه المسلم إلى فِعل كلّ أمر خيرٍ، ونهاه عن كلّ فعل شرٍّ، وأرشده إلى كلّ ما أُشكِل عليه، مع استشعاره بأنّ الخطاب موجّهٌ إليه، قال -تعالى-: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ)،[٣] كما لا بدّ من الحرص على الاطّلاع على تفسير القرآن الكريم، بالإضافة إلى سيرة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، والغزوات التي خاضها، وأخلاقه، وشمائله، وما ذُكر في القرآن متعلّقاً بالصحابة -رضي الله عنهم-، والجهود التي بذولها تجاه القرآن.[٤]
  • الحرص على تلاوة القرآن بالوسيلة التي يرى المرء أنّها تحقّق له الخشوع، إذ من الممكن أنْ يتلو المسلم القرآن بعدّة وسائل، منها: التلاوة ممّا تمّ حفظه، أو من المصحف مباشرةً، أو من تطبيقات الهاتف النقّال، قال الإمام النوويّ -رحمه الله- في ذلك: "قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة من حفظه، هكذا قال أصحابنا، وهو مشهورٌ عن السلف -رضي الله عنهم-، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبّر، والتفكّر، وحضور القلب، أكثر ممّا يحصل من المصحف؛ فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف".[٥]
  • القراءة بصوتٍ مسموعٍ واضحٍ دون الجهر، وذلك إن كان القارئ منفرداً؛ إذ إنّ سماع الصوت يُعين على التركيز، والخشوع، والتأمّل، فقد ورد عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أنّه كان يقرأ القرآن تارةً بصوتٍ مسموعٍ، وأخرى بمنخفِضٍ، كما روي عبد الله بن أبي قيس أنّه قال: (سألْتُ عائشةَ كيفَ كانَتْ قراءةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ بالليلِ أكانَ يسرُّ بالقراءةِ أم يجهرُ، فقالَتْ: كلُّ ذلك قد كان يفعلُ، ربَّما أسرَّ بالقراءةِ، وربُّما جهرَ، فقلْتُ: الحمدُ للهِ الذي جعلَ في الأمرِ سَعةً).[٦][٧]
  • الحرص على تلاوة القرآن بأحكام التلاوة والتجويد؛ فترتيل الآيات يُحدث أثراً كبيراً في النفس، قال الله -تعالى-: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)،[٨] مع الحرص على تعلّمها، وإتقان التلاوة بها؛ سواءً في الصلاة السرّيةً كانت أو الجهرية أو خارج الصلاة.[٧]
  • ضبط وتحسين الصوت؛ فذلك من عوامل زيادة الخشوع، كما حثّ الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- على ذلك بقوله: (زينوا القرآنَ بأصواتِكم؛ فإنَّ الصوتَ الحسنَ يزيدُ القرآنَ حسنًا).[٩][٧]
  • تلاوة القرآن بتمهّلٍ وتأنٍّ، وقطع القراءة عند كلّ آيةٍ، والحرص على التنويع في تلاوة سور القرآن؛ سواءً في الصلاة، أم خارجها.[٧]
  • النظر في كلّ ما يتعلّق بالآية القرآنيّة؛ من حيث: التركيب، والمعنى، وأسباب النزول، ودلالتها، والحِكم والعِبر التي دلّت عليها.[١٠]


مُعيناتٌ على الخشوع في قراءة القرآن

تُعين بعض الأمور على تحقيق الخشوع في تلاوة القرآن الكريم، ويُذكَر منها:[١١][١٢]

  • الإكثار من تلاوة القرآن الكريم في كلّ وقتٍ يُمكن فيه التلاوة؛ فعدم تلاوة القرآن لفتراتٍ طويلةٍ، أو هجرانه، يُورث في القلب قسوةً، أمّا تلاوته فتُرقّقه، وتحقّق الخشوع والسكينة فيه.
  • المداومة على ذكر الله -سبحانه-؛ فذلك من عوامل ترقيق القلب، وإعانته على الخشوع والتدبّر.
  • اجتناب ارتكاب المعاصي والذنوب، والتوبة الصادقة الخالصة لله -تعالى- من كلّ الذنوب والمعاصي، وسلوك طريق الحقّ على ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه؛ فذلك من أسباب إنعام الله على العبد بالخشوع، والتدبّر، والتفكّر.
  • الحرص على الكسب والرزق الحلال الطيّب، وتجنّب ما حرّمه الله.
  • استحضار فضل حفظ واتقان التلاوة وما ورد في ذلك من رفعٍ للدرجات، كما أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها-، أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (مَثَلُ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وهو حافِظٌ له مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، ومَثَلُ الذي يَقْرَأُ، وهو يَتَعاهَدُهُ، وهو عليه شَدِيدٌ فَلَهُ أجْرانِ)،[١٣] كما أنّ العمل بما نصّت عليه الآيات القرآنية ممّا يُعين على الخشوع.


آداب تلاوة القرآن الكريم

تجدر بالمسلم مراعاة العديد من آداب تلاوة القرآن الكريم، ويُذكر من تلك الآداب:[١٤]

  • استحضار النيّة حين تلاوة الآيات القرآنية، والإخلاص فيها لله -سبحانه-، وتجريدها من أيّ أمرٍ يخالف المقصد من تلاوة القرآن، والمُتمثّل بنيل رضا الله -سبحانه-؛ فكلّ عملٍ يُحاسَب عليه العبد بالنيّة فيه، وبذلك ينال الأجر على العمل والعبادة دون نقصٍ.
  • الاستعاذة والبسملة قبل البدء بتلاة القرآن، إذ قال الله -تعالى-: (فَإِذا قَرَأتَ القُرآنَ فَاستَعِذ بِاللَّـهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ)،[١٥] فالاستعاذة تقي العبد من وساوس الشيطان بإذنٍ من الله -سبحانه-، مع الحرص على التفكّر بما تدلّ عليه الاستعاذة من معانٍ ودلالاتٍ، والصدق حين نطقها، والإيمان بأنّ الله يُبعد العبد عن كلّ سوءٍ، قال -تعالى-: (وَإِذا قَرَأتَ القُرآنَ جَعَلنا بَينَكَ وَبَينَ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَستورًا*وَجَعَلنا عَلى قُلوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهوهُ وَفي آذانِهِم وَقرًا وَإِذا ذَكَرتَ رَبَّكَ فِي القُرآنِ وَحدَهُ وَلَّوا عَلى أَدبارِهِم نُفورًا)،[١٦] أمّا البسملة فيأتي بها قارئ القرآن؛ طمعاً في نيل رحمات الله وبركاته، ويُؤتى بها في بداية كلّ سورةٍ من سور القرآن، باستثناء سورة التّوبة، كما يُؤتى بها حين القراءة من وسط السورة، أو إن قُطعت القراءة بسببٍ ما، ثمّ عاد إليها.
  • تلاوة القرآن في أفضل الأوقات التي تتنزّل بها رحمات الله على عباده، ومنها: الثُّلث الأخير من الليل؛ وهو وقت السَّحر، وفي الليل بشكلٍ عامٍ، ووقت الفجر، ووقت الصُّبح.
  • اختيار المكان المناسب البعيد عن مشاغل الدنيا، ومُلهياتها، كتلاوة القرآن في المساجد، أو في مكانٍ ما مخصّصٌ للعبادة في المنزل، مع الإشارة إلى جواز تلاوة القرآن في مكانٍ يُدار فيه كلامٌ وحديثٌ، أو ضجيجٌ، أو زحامٌ، أو لعبٌ، أو أثناء السّير في السيارة، أو الطريق العام.
  • التأدّب في الجلسة، والحرص على الجلوس بوقارٍ، وسكينةٍ، وأدبٍ حين تلاوة القرآن؛ احتراماً لعظَمته، وخشوعاً لله -عزّ وجلّ-؛ فأفضل جلسات تلاوة القرآن الجلوس على هيئة التشهُّد في الصلاة، مع استقبال القِبلة؛ إذ إنّها أفضل الجلسات التي تُظهر العبوديّة لله -سبحانه-، أو الجلوس بأيّ جلسةٍ أخرى تُظهر التوقير والإجلال لله ولكلامه.
  • الحرص على طهارة القلب، ونقائه، وخُلوّه من الأمراض، كالكِبْر، والرياء، وغيرها من الأمور المَنهيّ عنها، كالغِيبة، والنميمة، والكذب.
  • طلب العون والتيسير من الله -عزّ وجلّ-؛ لفَهْم كتابه، وتدبّره، وتطبيق أحكامه، والتبرُّؤ من كلّ حولٍ وقوةٍ، واللجوء إليه وحده، والاستعاذة به من كلّ أمرٍ يخالف ما يرضاه.
  • حُسْن الاستماع للقرآن، والإنصات إليه، قال -تعالى-: (وَإِذا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا لَعَلَّكُم تُرحَمونَ).[١٧]
  • التأثّر بكلّ آيةٍ من الآيات القرآنيّة، بالنظر إلى موضوع كلٍّ منها، ومثال ذلك السرور حين قراءة آيات التبشير بما أعدّه الله لعباده الطائعين، والحزن حين قراءة آيات التهديد والوعيد، والتحلّي والتخلّق بالصفات الحسنة والأخلاق الحميدة التي حثّت عليها الآيات الكريمة.
  • استحباب البكاء حين تلاوة القرآن الكريم؛ إذ إنّه من صفات الصالحين من العباد، قال الله -تعالى- واصفاًً حالهم: (إِنَّ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ مِن قَبلِهِ إِذا يُتلى عَلَيهِم يَخِرّونَ لِلأَذقانِ سُجَّدًا)،[١٨] كما كان ذلك من فعل الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-، إذ أخرج الإمام البخاري عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أنّه قال: (قالَ لي النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أُنْزِلَ، قالَ: نَعَمْ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حتَّى أتَيْتُ إلى هذِه الآيَةِ: {فَكيفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ، وجِئْنا بكَ علَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، قالَ: حَسْبُكَ الآنَ فالْتَفَتُّ إلَيْهِ، فإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ)،[١٩] كما يُستحَبّ لقارئ القرآن دعاء الله وسؤاله من فضله إن مرّ بآيات الرحمة، والاستعاذة منه بقراءة آيات العذاب، وتسبيح الله بقراءة آيات تنزيهه.[٢٠]


للمزيد من التفاصيل عن مقالات ذات علاقة الاطّلاع على المقالات الآتية:


المراجع

  1. د. محمد الصّباغ (1999م)، الخشوع في الصلاة (الطبعة الثالثة)، السعودية: مكتبة الورّاق، صفحة 12-16. بتصرّف.
  2. سعيد القحطاني (2010)، صلاة المؤمن - مفهوم، وفضائل، وآداب، وأنواع، وأحكام، وكيفية في ضوء الكتاب والسنة (الطبعة الرابعة)، صفحة 310، جزء 1. بتصرّف.
  3. سورة الأنعام، آية: 19.
  4. د. صلاح الخالدي، مفاتيح للتعامل مع القرآن، دمشق: دار القلم، صفحة 121-132. بتصرّف.
  5. محمد صالح المنجد، كتاب موقع الإسلام سؤال وجواب، صفحة 41، جزء 3. بتصرّف.
  6. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عبد الله بن أبي قيس، الصفحة أو الرقم: 449، صحيح.
  7. ^ أ ب ت ث راغب السرجاني (21-2-2018)، "تدبر القرآن.. طريق للخشوع"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 17-2-2020. بتصرّف.
  8. سورة المزمل، آية: 4.
  9. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم: 4561، صحيح.
  10. إبراهيم التركي (16-6-2013)، "تدبر القرآن لماذا وكيف"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 17-2-2020. بتصرّف.
  11. عبد الرحمن المحمود، دروس للشيخ عبد الرحمن صالح المحمود، صفحة 10، جزء 29. بتصرّف.
  12. "لا يخشع قلبه عند سماع القرآن، ويتأثر عند سماع النشيد"، www.islamqa.info، 16-12-2010، اطّلع عليه بتاريخ 17-2-2020. بتصرّف.
  13. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 4937، صحيح.
  14. د. صلاح الخالدي، مفاتيح للتعامل مع القرآن، صفحة 51-56. بتصرّف.
  15. سورة النحل، آية: 98.
  16. سورة الإسراء، آية: 45-46.
  17. سورة الأعراف، آية: 204.
  18. سورة الإسراء، آية: 107.
  19. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 5050، صحيح.
  20. عبد العزيز السلمان، " فَصْل فِي اسْتِحْبَابِ الْخُشُوعِ وَالْخَشْيَةِ وَالبُكَاءِ عِنْدَ تِلاوَةِ كِتَابِ اللهِ تعالى"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 17-2-2020. بتصرّف.