أسباب غزوة أحد ونتائجها

كتابة - آخر تحديث: ٠٨:١٢ ، ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٠
أسباب غزوة أحد ونتائجها

أسباب غزوة أحد

إنّ لغزوة أحدٍ سبباً واحداً؛ فقد رأى أهل مكة من المشركين ما أصابهم من الهزيمة والذلّ في غزوة بدر، فأرادوا أن ينتقموا من المسلمين ويأخذوا بثأرهم، وخاصةً أنّ هزيمتهم وقعت على أيدي من خرجوا مهاجرين من بينهم منذ فترة قصيرة، وكان المسلمون في ذات الوقت قد بدأوا بإغلاق جميع الطرق التي كانت قريش تسير عليها في تجارتها إلى بلاد الشام، فاعتبر المشركون أنّ بقاء هذه الطرق تحت سيطرة المسلمين بمثابة الموت البطيء لهم، فوقف صفوان بن أميّة في قريش، وأخبرهم بِحصار المسلمين لطريق التجارة التي يذهبون منها، فقام الأسود بن عبد المطلب ودلّه على طريقٍ آخر من الساحل باتّجاه العراق.[١]


خرج مجموعةٌ من التّجار ومنهم أبو سفيان بن حرب، وأخذ معه الفضّة ليُتاجر بها، وجعلوا فرات بن حيّان من بني بكر دليلاً لهم على الطريق، فأرسل رسول الله إليهم زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، واستولى على بعيرهم وما عليها من البضاعة، وأخذها ورجع إلى رسول الله، وبذلك يكونوا قد فقدوا هذا الطريق مثلما فقدوا ما قبله، أمّا غطفان وسليم فقد قرّروا أن يُهاجموا، ولكنّهم فرّوا لمّا علموا أن النبيّ ومن معه سيسيرون إليهم، وعندها أدرك القرشيّون قوة المسلمين ونبيّهم، وأصبحت الطرق التجارية التي يذهبون منها غير آمنة، ولاحظ أهل مكة من المشركين أن الوثنيّين وعرب البادية واليهود يشاركونهم في عدائهم للإسلام والمسلمين، فقرّروا أن يكونوا يداً بيدٍ ضد المسلمين، فأعدّوا العدّة، وجهّزوا أنفسهم في الحرب، لتكون بذلك غزة أحد.[١]


تعريف بغزوة أحد

وقعت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة، في اليوم الخامس عشر من شهر شوال، ووافق ذلك يوم السبت،[٢] واستُشهد في هذه الغزوة عمّ رسول الله حمزة -رضي الله عنه-، وقد حزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد فقده حزناً شديداً، وأنزل الله -تعالى- آياتٍ يواسي بها النبيّ وصحبه، قال -سبحانه وتعالى-: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).[٣][٤]


نتائج غزوة أحد

ذكر الكثير من علماء التاريخ أنّ غزوة أحد انتهت بانتصار المشركين على المسلمين، إلّا أنّ المؤرّخ محمود شيت خطّاب خالفهم بذلك، واعتبر أنّ هذه الغزوة تعدّ نصراً بالنسبة للمسلمين، وقد أورد هذا في كتابه الرسول القائد، وكانت وِجهة نظره أنّ المسلمين استطاعوا إخراج المشركين من معسكرهم، وحاصروا أموالهم، ويعدّ هذا نصراً وتحقيقاً للهدف، إلّا أنّ رجوع خالد بن الوليد خلف المسلمين لِيَحول بينهم وبين عودتهم للخلف، جعل المشركين يتقدّمون نحوهم، ممّا زاد في خسائر المسلمين، ومع ذلك ما زالوا في نقطة النصر، باعتبار أن النصر في المعركة يعتمد على ما حقّقه أحد الأطراف من أهدافه في هزيمة الطرف الآخر مادياً ومعنوياً، بغض النظر عن أعداد الأرواح التي فقدها، ولم يستطع المشركون القضاء على معنويات المسلمين، بل على العكس، كما اعتبر المؤرخ أنّ محاوطة المشركين للمسلمين مع كون عددهم ضعف عدد المسلمين بخمس مرات لا يعدّ تفوّقاً ونصراً، ولا يعدّ إحباطاً لمعنويات المسلمين، بدليل أنّ رسول الله أخذ أصحابه في اليوم التالي من المعركة وخرج لمواجهة قريش، فلو كان المسلمون محبطين لما استطاعوا الخروج مع رسول الله.[٥]


ويعود سبب خسائر المسلمين في هذه المعركة إلى أنّ الرماة الذين أمرهم رسول الله بالبقاء على الجبل، وحذّرهم من مغادرة أماكنهم حتى لو رأوا أنّ المسلمين قد انتصروا؛ خالفوا أمر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ونزلوا عن الجبل، وقد كان النصر كاملاً للمسلمين حتى فعل هؤلاء ما فعلوا، فانقلب الأمر ضدّهم، ولعلّ ما دفعهم للنزول هو طمعهم بأخذ الغنائم، وانشغالهم بها، وقد وصف الله -تعالى- ذلك الأمر في القرآن الكريم، فقال -سبحانه-: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّـهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)،[٦] فكانت العظة والعبرة للمسلمين عدم مخالفة أمر رسولهم، لأن ذلك لا يجرّهم إلّا إلى الخيبة والخسران، وتعلّموا أن الأجر الذي يناله المجاهد من الله أفضل من كل الغنائم، وأنّ الغاية الأولى لكلّ مجاهدٍ في سبيل الله هي الحصول على مرضاته، وقد كانت هذه الغزوة اختباراً للمسلمين، ودلّت على أنّ الرسل معرّضين للهزيمة، ولكن لهم النصر في النهاية بإذن الله.[٧]


وقد بدأ المشركون بعد غزوة أحد بالتجهّز من أجل الهجوم على المدينة، ومن ذلك أنّ طليحة الأسدي جمع مجموعة من المقاتلين من أهل نجد، كما قام بذلك خالد بن سفيان الهذلي في قبائل هذيل وكل من ناصرهم، وعلِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فشكّل جيشاً بقيادة أبي سلمة بن عبد الأسد، وخرج باتّجاه طليحة ومن معه، فلما رأى المشركون رسول الله تفرّقوا، ونال رسول الله ومن معه بعيرهم ومعسكرهم، أما خالد بن سفيان فقد أرسل رسول الله له عبد الله بن أنيس الجهني -رضي الله عنه- وكان شجاعاً، فقام بقتله،[٨] وقد قُتل من المشركين في غزوة أحد اثنان وعشرين، وقيل سبعاً وثلاثين، أما المسلمين فقد استُشهد منهم سبعون صحابياً.[٩]


المراجع

  1. ^ أ ب أحمد غلوش (2004)، السيرة النبوية والدعوة إلى الله في العهد المدني (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 321-322. بتصرّف.
  2. مصطفى السباعي (1985)، السيرة النبوية - دروس وعبر (الطبعة الثالثة)، دمشق: المكتب الإسلامي، صفحة 82. بتصرّف.
  3. سورة آل عمران، آية: 139-140.
  4. مصطفى السباعي (1985)، السيرة النبوية - دروس وعبر (الطبعة الثالثة)، دمشق: المكتب الإسلامي، صفحة 86. بتصرّف.
  5. محمد النجار، القول المبين في سيرة سيد المرسلين، بيروت: دار الندوة الجديدة، صفحة 250-253. بتصرّف.
  6. سورة آل عمران، آية: 152.
  7. محمد أبو شُهبة (1427)، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (الطبعة الثامنة)، دمشق: دار القلم، صفحة 219-220، جزء 2. بتصرّف.
  8. محمد السلمي (2010)، صَحِيحُ الأثَر وجَمَيلُ العبر من سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم) (الطبعة الأولى)، جدة: مكتبة روائع المملكة، صفحة 212. بتصرّف.
  9. راغب السرجاني، السيرة النبوية ، صفحة 28، جزء 26. بتصرّف.
477 مشاهدة