أسباب نعيم القبر

أسباب نعيم القبر

أسباب نعيم القبر

يعتقد المسلمون بوجود حياةٍ بعد الموت؛ تبدأ بالقبر وتستمر إلى الجنّة أو النار، وإنّ حياة القبر إمّا نعيم مقيم أو عذاب أليم، وقد شرع لنا الإسلام مجموعة من العبادات التي تؤدي إلى النّعيم في القبر، وأيضاً نهانا عن بعض التصرّفات التي من شأنها أن تكون سبباً لعذاب القبر، وبيان ذلك كما يأتي:

الشهادة في سبيل الله 

من أعظم المنازل عند الله -تعالى- منزلة الشهيد، وقد أكرم الله -تعالى- الشهيد بعدّة خصال منها قول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (للشهيدِ عندَ اللهِ ستُّ خصالٍ: يُغفرُ لهُ في أولِ دفعةٍ، ويَرى مقعدَهُ منَ الجنةِ، ويُجارُ منْ عذابِ القبرِ، ويأمنُ منَ الفزعِ الأكبرِ، ويُوضعُ على رأسِهِ تاجُ الوقارِ، الياقوتةُ منها خيرٌ منَ الدنيا وما فيها، ويُزوَّجُ اثنتينِ وسبعينَ زوجةً من الحورِ العينِ، ويُشفَّعُ في سبعينَ منْ أقاربِهِ).[١]

وقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (رِباطُ يَومٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرَى عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتّانَ)،[٢] والفُتّان تعني بأنه يأمن فتنة القبر ويأمن من العذاب والتحريق.[٣]

مواضيع قد تهمك

والشهيد قد اختُبر صدقه في أرض المعركة لذا يُنعّم بالقبر بعدم تعرّضه للعذاب، فقد سُئِل النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (يا رسولَ اللَّهِ! ما بالُ المؤمنينَ يُفتَنونَ في قبورِهِم إلَّا الشَّهيدَ؟! قالَ : كفَى ببارقةِ السُّيوفِ علَى رأسِهِ فتنةً).[٤]

الاستعاذة من عذاب القبر

على الرّغم من مكانة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وعلوّ منزلته عند ربه إلّا أنّه كان طمِعاً بنعيم القبر، يكثر من التعوّذ من عذابه في أكثر من موقف ومن ذلك ما يأتي:

  • كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يعلّم أصحابه التعوّذ من عذاب القبر كما يعلمهم السورة في القرآن الكريم، فعن ابن عباس -رضيَ الله عنهما- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان يقول لأصحابه: (قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ).[٥]
  • أرشد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أصحابه إلى التعوّذ من عذاب القبر بعد التشهّد وقبل السّلام، قال -صلّى الله عليه وسلّم-: (إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ مِن أَرْبَعٍ يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ).[٦]

المحافظة على قراءة سورة الملك 

من المُنجيات من عذاب القبر ما صحّ عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قوله في سورة الملك: (إنَّ سورةً في القرآنِ ثلاثونَ آيةً شفَعت لصاحبِها حتَّى غُفِرَ لَه تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)،[٧] وصحّ أيضاً عنه -صلّى الله عليه وسلّم- قوله في فضل سورة الملك: (سورةُ تبارَك هيَ المانعةُ من عذابِ القبرِ).[٨]

وقد كان الصّحابة -رضيَ الله عنهم- يسمّون سورة الملك بالمانعة، لأنّها تمنع عذاب القبر عن مَن حافظ على عليها،[٩] ولا شك أنّ المحافظة على قراءتها دلالة على حرص القارئ على المغفرة والمعافاة من عذاب القبر.

الأعمال الصالحة

تعدّ الأعمال الصّالحة على اختلاف أنواعها من أسباب النّجاة من عذاب القبر، حيث إنّ العمل الصالح يأتي للصالحين في القبر على صورة رجل صالح يبشّرهم بالنّجاة والمغفرة.

قال -صلّى الله عليه وسلّم- عن حال أصحاب الأعمال الصّالحة في القبر: (ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجهِ حسنُ الثِّيابِ طيِّبُ الرِّيحِ فيقولُ أبشِرْ بالَّذي يسُرُّك هذا يومُك الَّذي كنتَ تُوعَدُ فيقولُ من أنت فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالخيرِ فيقولُ أنا عملُك الصَّالحُ فيقولُ ربِّ أقِمِ السَّاعةَ).[١٠] ويلاحَظ أنّ الحديث لم يحدّد عملاً صالحاً، بل إن كلّ الأعمال الصالحة أياً كانت تؤنس صاحبها في القبر، وتدفع عنه عذابه.

التوبة ومحاسبة النفس

صحّ عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّ الأعمال السيّئة تكدر على صاحبها في القبر، فقد قال -صلّى الله عليه وسلّم- عن حال صاحب السيئات والمعاصي في القبر: (ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجهِ قبيحُ الثِّيابِ مُنتِنُ الرِّيحِ فيقولُ له أبشِرْ بالَّذي يسوءُك هذا يومُك الَّذي كنتَ توعدُ فيقولُ من أنت فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالشَّرِّ فيقولُ أنا عملُك الخبيثُ فيقولُ ربِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ).[١١]

ولو أنّ صاحب المعاصي تاب في الدنيا وحاسب نفسه على ما قصّر في حق الله -تعالى-، واجتهد في العبادات والطاعات لنفعه ذلك في قبره ولردّ الله -تعالى- عنه عذاب القبر.[١٢] يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربّه -عزّ وجل-: (يا ابنَ آدمَ ! لوْ بلغتْ ذنوبُك عنانَ السماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لكَ ولا أُبالِي).[١٣]

إذ إنّ الاستغفار، والتوبة، ومحاسبة النّفس سبب لأن يلقى العبد ربه وقد غُفرت ذنوبه، فلا عذاب عليه في القبر أو في الآخرة، قال -تعالى-: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾،[١٤] فمن عجّل التوبة، وحاسب نفسه، وعمل بالأعمال الصّالحة نال المغفرة من الله -تعالى-، ودفع عن نفسه عذاب القبر. 

الحرص على طهارة الجسد

إنّ من أسباب نعيم القبر أن يحافظ المرء على جسده طاهراً، لأنّ نجاسة الجسد سبب لعذاب القبر لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (أكثرُ عذابِ القبرٍِ من البولِ)،[١٥] وقد ثبت في السنة حديث صريح في أنّ من لم يتنزّه من البول فإنّه يعذب في قبره.

حيث مَرَّ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- علَى قَبْرَيْنِ، فَقالَ: (إنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، أمَّا هذا: فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِن بَوْلِهِ، وأَمَّا هذا: فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ)،[١٦] ويقصد بأنّه "لا يستتر من بوله" أي لم يكن يتّخذ حاجزاً يمنع عنه نجاسة البول، فاستخفّ بالطاعة فاستحق العذاب في القبر على فعله.[١٧]

ترك الغيبة والنميمة

الغيبة هي أن تذكر عيوب أخيك وهو غائب،[١٨] والنّميمة هي نقل الأخبار بين الناس لإحداث الخصومة، والصلة بين الغيبة والنميمة بأنّ كلاهما خلق سيء يُحدث الفتن في المجتمع،[١٩] ومن أراد نعيم القبر والنجاة من عذابه فعليه أن يترك أسباب ذلك.

وقد بيّن النبيّ -صلّى الله عيه وسلّم- خطورة النّميمة على النمّام بأنّه سوف يفقد نعيم الجنّة ويعذّب بالقبر بنميمته، فقد مرّ -صلّى الله عليه وسلّم- علَى قَبْرَيْنِ، فَقالَ: (إنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، أمَّا هذا: فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِن بَوْلِهِ، وأَمَّا هذا: فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ).[٢٠]

المراجع

  1. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن المقدام بن معدي كرب، الصفحة أو الرقم:1663، حسن صحيح غريب.
  2. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن سلمان الفارسي، الصفحة أو الرقم:1913، صحيح.
  3. مظهر الزيداني، المفاتيح في شرح المصابيح، صفحة 338. بتصرّف.
  4. رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن رجل من الصحابة، الصفحة أو الرقم:2052، صحيح.
  5. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:590، صحيح.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:588، صحيح.
  7. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:3068، صحيح.
  8. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:4711، حسن.
  9. محمد الطرهوني، موسوعة فضائل سور وآيات القرآن القسم الصحيح، صفحة 193. بتصرّف.
  10. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم:1676، صحيح.
  11. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم:1676، صحيح.
  12. سعيد القحطاني، صلاة المؤمن، صفحة 1091. بتصرّف.
  13. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:4338، حسن.
  14. سورة التوبة، آية:82
  15. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:283، صحيح.
  16. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:6052، صحيح.
  17. ابن بطال، شرح صحيح البخاري، صفحة 325. بتصرّف.
  18. مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 270. بتصرّف.
  19. مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 331. بتصرّف.
  20. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:6052، صحيح.

هل لديك أي سؤال حول هذا الموضوع؟

هل لديك سؤال؟

359 مشاهدة
Top Down