أهمية القدوة ونماذج منها

أهمية القدوة ونماذج منها

أهمية القدوة الحسنة

القدوة: هي تقليد الآخرين واتّخاذهم مثالاً في القول والفعل،[١] والقدوة الحسنة وسيلة تربوية دعوية مُهمَّة تحتاجها الأمّة كما يحتاجها الفرد، وتظهر أهميَّة القدوة الحسنة فيما يأتي:

وسيلة قوية من وسائل الدعوة

حيث إنَّ أكثر ما يُؤثِّر بالمدعوّين هو القدوة الحسنة؛ لِما فيها من إقناعٍ لهم بأنَّ الداعية صادقٌ فيما يدعو إليه، وليس مُجرَّد مُتحدِّث ينقل الكلام، ويظهر أثر القدوة في الدعوة بما يأتي:[٢]

  • تُعدُّ القدوة الحسنة أفضل وسيلةٍ دعويّة لتبليغ الناس أحكام الدين من عقيدةٍ وفقه.
  • إنَّ للقدوة الحسنة قدرةً على جذب الناس إلى الإسلام، والالتزام به أكثر من الوسائل الأخرى.
  • هناك بلاد إسلامية دَخَلها الإسلام بالقدوة الحسنة كوسيلةٍ دعوية، حيث لمس الناس القيم الإسلامية والأخلاق في أفعال المسلمين قبل أقوالهم.
  • إنَّ الاقتداء بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أسهم بدخول كثيرٍ من الناس في الإسلام، فما تعلَّمه الصحابة من النبي -صلى الله عليه وسلم- طبّقوه فيما بعد، فكان الاقتداء بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أثراً دعوياً قويّاً على المدعوّين.[٣]

القدوة تثبّت إمكانية تطبيق تعاليم الإسلام

إنَّ أهمية القدوة الحسنة تَظهر في أنَّ الإسلام دينيٌ واقعيٌ قابل للتطبيق، وأنَّ البشر يسهل عليهم الالتزام بالإسلام بما فيه من أحكام دون مشقَّة أو عنت، ويظهر ذلك فيما يأتي:[٤]

  • وجود القدوة الحسنة ومشاهدة الناس لها يُشعر الناس بأنّ الوصول إلى الالتزام بالعبادات والوصول إلى الأخلاق العالية أمرٌ ممكن وليس بالصعب؛ فهم يشاهدون مثلاً حيَّاً أمامهم.
  • إنَّ القدوة الزائفة لها أثرٌ فاسد على التزام الناس، لذا حذَّر الله -تعالى- من الذين يقولون ما لا يفعلون، قال -تعالى-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون).[٥]
  • بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- عقاب القدوة الفاسدة التي تفعل غير ما تقول، وخطر هذه الفئة على تديُّن الناس والتزامهم، لذا قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَتيتُ ليلةَ أُسرِيَ بي على قومٍ تُقرَضُ شِفاهُهم بمقاريضَ من نارٍ، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: خطباءُ أُمَّتِك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتابَ اللهِ ولا يعملون به).[٦]
  • كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يجمع أهله ثمّ ينهاهم عمّا نهى عنه الناس؛ لِعلمه بأنّ الناس يقتدون به وبأهله.

تحفّز الآخرين على الاقتداء بها

ويظهر ذلك من خلال ما يأتي:

  • إنَّ وجود القدوة الحسنة في المجتمع تؤدي إلى ظهور التنافس المحمود بين الأفراد؛ حيث إنَّ الكلّ يرغب في التفوق والأجر والثواب من الله، قال- تعالى-: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.[٧]
  • وجود القدوة الحسنة وتفاعلها مع المجتمع يُؤدي إلى ظهور الغَيْرة المحمودة التي تدفع الآخرين إلى عمل الخير، وهذا يقود إلى كثرة الخير في المجتمع.[٨]
  • إنّ حبَّ التّقدم والريادة من فطرة البشر، والقدوة الحسنة تحفِّز هذا التنافس لمرضات الله -تعالى- بفعل الطاعات والقُرُبات.

تُوصل الفكرة بطريقة أبلغ من الكلام

إن القدوة الحسنة طريقٌ سهلٌ وبسيطٌ لتوصيل العلم، لذا فإنَّ بعض الناس يفهمون أحكام الإسلام إذا شاهدوا من يُطبّقها أمامهم، وقد يصعب عليهم فهمها من الكُتب أو دون تطبيق، ومثال ذلك:

  • ثبت عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اتَّخَذَ خاتَمًا مِن ذَهَبٍ، وجَعَلَ فَصَّهُ ممَّا يَلِي كَفَّهُ، فاتَّخَذَهُ النَّاسُ، فَرَمَى به واتَّخَذَ خاتَمًا مِن ورِقٍ أوْ فِضَّةٍ).[٩]
  • امتنع الصحابة -رضوان الله عليهم- في صلح الحديبية عن التحلُّل من الإحرام، لكنّهم بعدما حلق النبي -صلى الله عليه وسلم- رأسه أمامهم وذبح الهدي اقتدوا به، فعن أمّ سلمة قالت: (يا نَبِيَّ اللَّهِ، أتُحِبُّ ذلكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ كَلِمَةً، حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ حتَّى فَعَلَ ذلكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، ودَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذلكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا).[١٠]

نماذج من القدوة الحسنة

إنَّ من النماذج المشرِّفة للقدوات الحسنة، هي ما كانت صادرةً عن خير البشر - صلى الله عليه وسلم- فيهتدي بها الأجيال، وعن صحابته الكرام، ومن نماذج القدوات ما يأتي:

خير الخلق: محمد عليه الصلاة والسلام

إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- هو القدوة الأولى لأمّة الإسلام، وقد أمر الله -تعالى- الخَلْق بالاقتداء بنبيّه -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾،[١١] ومن أمثلة ذلك الاقتداء:

  • اقتداء الصحابة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بخلع نعالهم، فسألهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما حملكم على إلقاء نِعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيتَ نعلَيك فألقَينا نِعالنا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا).[١٢]
  • اقتداء الصحابة -رضوان الله عليهم- برسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى في الطعام، فالصحابي أنس بن مالك -رضي الله عنه- أحبّ الدُّباء؛ أي القرع، حيث قال: (ذهبتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك الطعام، فقرَّب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبزًا ومرقًا فيه دُبَّاء وقديد، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يتتبَّع الدباء مِن حوالي القَصعة، قال: فلم أزل أُحبُّ الدبَّاء مِن يومئذ).[١٣]
  • اقتداء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بتقبيل الحجر الأسود، فقال -رضي الله عنه- بعد أن قبَّل الحجر الأسود: (إنِّي أعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولَا تَنْفَعُ، ولَوْلَا أنِّي رَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ).[١٤]

الصحابة الكرام

إن للصحابة منزلةً عالية في الإسلام، وهم ممّن شهدوا نزول الوحي، وتعلّموا مباشرة من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وشاهدوا معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- وجاهدوا معه، وهاجروا معه، لذا هم خير من اقتدى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وخير من يُقتدى به.

وقد وصَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاقتداء بسُنّة الخلفاء الراشدين من بعده فقال: (فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين المَهْدِيين، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ).[١٥] ومن النماذج التي علينا أن نقتدي بها ما يأتي:

  • تمسُّك أمير المؤمنين عثمان بالخلافة

وذلك لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أوصاهُ بذلك، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا عثمانُ إنَّهُ لعلَّ اللَّهَ يقمِّصُكَ قميصًا، فإن أرادوكَ على خَلعِهِ فلا تخلعهُ لَهُم)،[١٦] فعلى الرَّغم من شِدَّة الكرب الذي كان به أمير المؤمنين عثمان بن عفان،[١٧] إلا أنَّه رفض أن يخالف وصية النبي -صلى الله عليه وسلم-.

  • ضحك الصحابة وتبسُّمهم عند رواية حديثٍ

وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تبسَّم بعد أن أخبرهم به، يقول الصحابي: (كنَّا عِندَ عثمانَ بنِ عفَّانَ، فدعَا بماءٍ فتوضَّأَ، فلمَّا فرَغ مِن وُضوئِه تبسَّمَ، فقال: هل تَدرونَ ممَّ ضَحِكتُ؟ قال: فقال: توضَّأَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- كما توضَّأتُ، ثمَّ تبسَّمَ، ثمَّ قال: هل تدرونَ ممَّ ضَحِكتُ؟ قال: قلْنا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: إنَّ العبدَ إذا توضَّأَ فأتَمَّ وُضوءَه، ثمَّ دخَلَ في صلاتِه فأتَمَّ صلاتَه، خرَجَ مِن صلاتِه كما خرَجَ مِن بطنِ أُمِّه مِن الذُّنوبِ).[١٨]

  • ضحك علي بن أبي طالب بعد أن روى حديثاً

وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحك بعد أن أخبرهم به، فقد جاؤوا إلى علي بي أبي طالب بدابّة ليركبها، وبعد أن ركبها قال: "بسمِ اللهِ ثلاثاً، فلما اسْتوى على ظهرِها قال: الحمدُ للهِ ثم قال سبحانَ الذي سخّرَ لنا هذا وما كنّا له مقرنينَ وإنا إلى ربنا لمنقلبونَ".

ثم قالَ: (الحمدُ للهِ ثلاثا والله أكبرُ ثلاثا سبحانكَ إني قد ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ ثم ضحكَ، قلتُ من أي شيء ضحكتَ يا أميرَ المؤمنينَ قال رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- صنعَ كما صنعتُ، ثم ضحكَ فقلتُ من أي شيء ضحكتَ يا رسولَ اللهِ، قال إنَّ ربَّكَ ليعجبُ من عبدهِ إذا قال ربِّ اغفرْ لي ذنوبي إنّه لا يغفرُ الذنوبَ غيركَ).[١٩]

  • دعا عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- أخاه عُبَيد اللهِ يَومَ عَرَفةَ إلى طَعامٍ، فقال: إنِّي صائِمٌ، قال: (إنَّكم أَئِمَّةٌ يُقتَدى بكم، قد رأَيتُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- دعا بِحِلابٍ في هذا اليَومِ، فشرِبَ، وقال يَحيى مَرَّةً: أَهلُ بَيتٍ يُقتَدى بكم).[٢٠]

المراجع

  1. محمد القحطاني، الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 309. بتصرّف.
  2. صالح بن حميد، القدوة مبادئ ونماذج، صفحة 7. بتصرّف.
  3. سعيد القحطاني، فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري، صفحة 810. بتصرّف.
  4. سعيد القحطاتي، مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 310. بتصرّف.
  5. سورة الصف، آية:3-2
  6. رواه الألباني، في صحي الترغيب والترهيب، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:2327، صحيح.
  7. سورة المطففين، آية:26
  8. صالح بن حميد، القدوة مبادئ ونماذج، صفحة 9. بتصرّف.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:5865، صحيح.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، الصفحة أو الرقم:2731، صحيح.
  11. سورة الأحزاب، آية:21
  12. رواه شعيب الأرناءوط، في تخريج المسند، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم:21482، إسناده صحيح.
  13. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:5436، صحيح.
  14. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم:1597، صحيح.
  15. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن العرباض بن سارية، الصفحة أو الرقم:40، صحيح.
  16. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عائشة، الصفحة أو الرقم:3705، صحيح.
  17. مجموعة مؤلفين، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، صفحة 108. بتصرّف.
  18. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن عثمان بن عفان، الصفحة أو الرقم:430، إسناده صحيح.
  19. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن علي بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم:3446، حسن صحيح.
  20. رواه شعيب الارناؤؤط، في تخريج المسند، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:3239، صحيح على شرط الشيخين.
481 مشاهدة
للأعلى للأسفل