رمضان شهر التوبة

كتابة - آخر تحديث: ١٠:٤٢ ، ١ أبريل ٢٠٢٠
رمضان شهر التوبة

رمضان شهر التوبة

شهر رمضان المبارك شهرٌ تتنزّل فيه رحمات ربّ العالَمين، وفيه تُضاعَف الحَسنات، وتُمحى الخطايا، وتُرفَع الدرجات، والمسلم المجتهد والمخلص يُوجّه توبته إلى الله -عزّ وجلّ- في كلّ وقتٍ، كما قال النبيّ -عليه الصلاة السلام-: (كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ ، وخيرُ الخطًّائين التوابون)،[١] وخير موعد لتجديد التوبة بإخلاص هو شهر رمضان المبارك؛[٢] فصوم رمضان بمثابة مدرسةٍ لتعليم الصبر والأخلاق الحميدة، كما يجد فيه الصائم الإعانة على التوبة والرجوع إلى الله -عزّ وجلّ-، على الرغم من أنّه مأمورٌ بذلك طوال العام، قال -تعالى-: (تُوبُوا إِلَى اللَّـهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).[٣][٤]


ويُعَدّ شهر رمضان فرصة لإصلاح علاقة العبد بربّه -تبارك وتعالى-؛ فهو شهر الإقلاع عن المعاصي، والتوجُّه إليه -سبحانه وتعالى-،[٥] ولا تقتصر التوبة على العاصي؛ فقد يكون اعتياد العبد على النِّعَم وعدم شُكرها ذنباً يقترفه دون أن يشعر؛ فمخالطة نِعَم الله -تعالى- دون أداء حقّها يُعَدّ ذنباً تُطلَب التوبة منه، فقد قال الله -تعالى-: (وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَريَةً كانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتيها رِزقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللَّـهِ فَأَذاقَهَا اللَّـهُ لِباسَ الجوعِ وَالخَوفِ بِما كانوا يَصنَعونَ)،[٦] كما أنّ عدم النهي عن المُنكر، واستباحة المُحرَّمات دون نُكرانها يحتاج إلى التوبة الخالصة لله -عزّ وجلّ-.[٧]


التوبة من الذنوب في رمضان

جعل الله -تعالى- باب التوبة مفتوحاً لكلّ مذنبٍ، ومن الذنوب التي يقترفها المسلم في رمضان هَدر وقته دون عملٍ نافعٍ، أو قضاء الليل بالسهر، واللهو، والمعاصي؛ إذ لا بدّ أن يستثمر المسلم ليله ونهاره في العمل الصالح، والعبادات الخالصة لله -تعالى-، وأن يقف بين يدي خالقه؛ يناجيه، ويتقرّب إليه؛ ليغفر له، مُستثمراً وقته كلّه بالنافع من الأعمال؛ حتى لا يقع في الغفلة، والفراغ، ومن شأن المسلم أن يشغل لسانه وقلبه بذِكر الله -عزّ وجلّ-،[٨] ويُشار إلى أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- تعوّذ من آفات اللسان، فقال: (...اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِن شرِّ سمعي، ومِن شرِّ بصَري، ومِن شرِّ لِساني...)،[٩] واللسان تحديداً أداة الغيبة، والنميمة، والكذب، والافتراء، والرياء، سأل معاذ بن جبل -رضي الله عنه- رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فقال: (يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال : ثكلتك أمك يا مُعاذٍ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم).[١٠][١١]


كما نهى النبيّ -عليه الصلاة والسلام- عن الكلام الفاحش البذيء، فقال: (ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ)،[١٢] ولا بُدّ للمسلم من أن يحرص على أن يُنزّه لسانه عن الكذب، واللغو في أمورٍ لا تنفع،[١٣] ومن الأمور التي تكون فيها التوبة أيضاً الكِبر والعجب؛ إذ لا بُدّ أن يكون المُحرّك لعمل الانسان قلبُه الخالص لله -تعالى-، والذي لا عجب فيه، ولا رياء، ولا كِبر؛ فالعجب والرياء يُحبطان الأعمال.[١٤]


كيفيّة التوبة في رمضان

يعلن المسلم رجوعه إلى الله -سبحانه وتعالى-، خاضعاً لأوامره، نادماً على ما فعله من معاصي، مُبتعداً عن نواهيه، فيكون بذلك قد أعلن توبته، وتكون التوبة في كلّ وقت؛ رحمة من الله -تعالى- الغنيّ عن عباده، وقد أخبر الله -تعالى- على لسان رسوله محمد -صلّى الله عليه وسلّم- بفرحه بذلك، فقال: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أَحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ علَى بَعِيرِهِ، قدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضِ فلاةٍ)،[١٥] ويلزم في التوبة من الذنب أن تكون خالصةً لله -تعالى-، وأن يندم العبد على اقترافه الذنوب، مع عزمه على عدم العودة إليها مرةً أخرى، وإن كان في الذنب أكل حقّ من حقوق العباد، فعليه أن يرجعه إلى صاحبه، كما يلتزم المسلم بكثرة الاستغفار مع التوبة؛ ليعمّ الخير حياتَه، قال الله -تعالى-: (وَيا قَومِ استَغفِروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيهِ يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدرارًا وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُم وَلا تَتَوَلَّوا مُجرِمينَ).[١٦][١٧]


المراجع

  1. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 2499، حسن.
  2. ملتقى أهل الحديث، أرشيف ملتقى أهل الحديث - 5، صفحة 90، جزء 13. بتصرّف.
  3. سورة النور، آية: 31.
  4. سليمان بن حمد العودة (2013)، كتاب شعاع من المحراب (الطبعة الثانية)، الرياض: دار المغني للنشر والتوزيع، صفحة 103، جزء 10. بتصرّف.
  5. محمد إسماعيل المقدم، دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم، صفحة 14، جزء 9. بتصرّف.
  6. سورة النحل، آية: 112.
  7. عائض القرني، دروس الشيخ عائض القرني، صفحة 7، جزء 34. بتصرّف.
  8. محمد حسين يعقوب (2005)، كتاب أسرار المحبين في رمضان (الطبعة الأولى)، .: مكتبة التقوى، صفحة 50-51. بتصرّف.
  9. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن شكل بن حميد العبسي، الصفحة أو الرقم: 3492، صحيح.
  10. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن معاذ بن جبل، الصفحة أو الرقم: 2616 ، حسن صحيح.
  11. محمد حسين يعقوب (2005)، كتاب أسرار المحبين في رمضان (الطبعة الأولى)، .: مكتبة التقوى، صفحة 51-52. بتصرّف.
  12. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عبدالله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 1977، صحيح.
  13. محمد حسين يعقوب (2005)، كتاب أسرار المحبين في رمضان (الطبعة الأولى)، .: مكتبة التقوى، صفحة 54. بتصرّف.
  14. محمد حسين يعقوب (2005)، كتاب أسرار المحبين في رمضان (الطبعة الأولى)، .: مكتبة التقوى، صفحة 57. بتصرّف.
  15. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 2747، صحيح.
  16. سورة هود، آية: 52.
  17. عبد المعز خطاب، أسرار الصيام في القرآن الكريم، صفحة 43-44. بتصرّف.