شروط الصيام في رمضان

كتابة - آخر تحديث: ١١:٣٣ ، ١١ أغسطس ٢٠٢٠
شروط الصيام في رمضان

معنى الصيام

الصيام في اللغة يُراد به: الإمساك، وتأكيداً على هذا المعنى قال تعالى على لسان مريم -عليها السلام-: (إِنّي نَذَرتُ لِلرَّحمـنِ صَومًا فَلَن أُكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا)؛[١] أي أنّها أمسكت عن الكلام، وصمتت، والمصدر من الصيام؛ صام، يصوم، صوماً، وصياماً، أمّا الصيام في الاصطلاح الشرعيّ، فهو: التعبّد لوجه الله -تعالى-، والتقرّب منه، بالإمساك والامتناع عن الطعام، والشراب، والجِماع، وغيرها من المُفطِرات، من طلوع الفجر الثاني إلى حين غروب الشمس، من شخصٍ مخصوصٍ، بشروطٍ مخصوصةٍ، مع تحقّق النيّة.[٢]


شروط صيام رمضان

شروط وجوب الصيام في رمضان

الإسلام

يُشتَرط الإسلام للصيام كما بيّن العلماء، إلّا أنّ الحنفيّة اعتبروه شرطاً للوجوب؛ أي أنّ الصيام لا يجب على غير المسلمين، ولا يترتّب عليهم القضاء، وعدّ الجمهور الإسلام شرطاً للصّحة.[٣]


البلوغ

يُشترط للصيام البلوغ؛ فالمسلم قبل بلوغه سنّ التّكليف غير مأمورٍ بالصيام؛ إذ إنّه غير مكلّفٍ، ولا يُحاسب على ما يصدر منه، استدلالاً بقول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عَن المَجنونِ المَغلوبِ على عَقْلِهِ حتى يَبْرَأَ، وعن النائِمِ حتى يَستيقِظَ، وعنِ الصبِيِّ حتى يَحْتَلِمَ)،[٤] ويكون بلوغ الصبي بالاحتلام*، أو ظهور بعض العلامات الطبيعيّة التي تدّل على تجاوز مرحلة الطفولة، والوصول إلى مرحلةٍ أخرى، أمّا الفتاة، فيكون بلوغها بالحيض، كما يُعرف البلوغ بتمام خمسة عشر سنةً إن تأخّرت أيّ علامةٍ من العلامات السابقة.[٥]


ومن الجدير بالذكر أنّ على الأهل تعليم أولادهم العبادات، ومنها: الصيام، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ)،[٦] ويبدأ الأهل بترغيب الأولاد قبل سِنّ البلوغ؛ أي من السابعة من عُمرهم، ويُقاس الصيام على الصلاة من حيث القدرة البدنيّة، ولا يُشترط أن يصوم الصغير الشهر كاملاً، ولكنّه يتدرّج في الصيام حتى يعتاده، وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يُصوّمون صغارهم في رمضان.[٥]


العقل

الخطاب التّشريعي في الإسلام مُوجّه للعاقل، فلم يوجّهه إلى فاقده؛ فالمجنون ومن في حُكْمه غير مكلّف بالصّيام، فمن فقد عقله بسبب شُربِ مُحرّم، أو غير ذلك وجب في حقّه القضاء بعد الإفاقة وزوالِ السّبب،[٧] وغير العاقل أولى بعدم تكليفه بالصيام إن كان غير البالغ غير مكلّفٍ، فلا يُوجّه أي نهيٍ، أو أمرٍ إلى غير العاقل، ولا يُؤمر بأي عبادةٍ؛ إذ رُفع عنه التكليف والحساب، أمّا إن انعدم العقل بشكلٍ مؤقّتٍ؛ فإنّه يُكلّف فقط بالمدّة التي يكون فيها عاقلاً.[٨]


وبالمثال يتّضح المقال؛ فصيام المغمى عليه يُحكَم فيه بالنظر إلى حاله، وبيان ذلك فيما يأتي:[٩]

  • الحالة الأولى: إن كان الإغماء من قبل الفجر، واستمرّ إلى بعد الغروب؛ فالصيام حينها غير صحيحٍ، ويتوجّب على المغمى عليه القضاء؛ لأنّ الصيام إمساكٌ عن كلّ المُفطرات مع تحقّق النيّة، وقد انعدمت لدى الشخص المُغمى عليه طوال فترة الصيام.
  • الحالة الثانية: أن يكون الإغماء خلال جزءٍ من النهار، فلا قضاء على مَن أُغميَ عليه، وصيامه صحيحٌ، وقيّد المالكية صحّة صيامه إن كان الإغماء أقلّ النهار.


القدرة على الصيام

يُشترط لوجوب الصيام القدرة عليه واستطاعته، إذ لا يجب الصيام على غير القادر،[١٠] وبناءً على اشتراط القدرة، بيّن العلماء أحوال مَن انعدمت لديهم القدرة آتياً:[١١]

  • الشيخ الكبير والعجوز: اتّفق العلماء على أنّ الشيخ الكبير والعجوز اللذَين لا قدرة لهما على الصيام، أو اللذَين يصومانه بمشقّةٍ وجُهدٍ لهما أن يُفطرا في رمضان، استدلالاً بقول الله -تعالى-: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)،[١٢] وقوله أيضاً: (لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).[١٣]
  • الحامل والمُرضع: للحامل والمُرضع الإفطار في رمضان باتّفاق العلماء؛ إن خافتا على نفسيهما، أو على طفليهما مع نفسيهما، ويترتّب عليهما القضاء بعد رمضان، قياساً على المريض، إذ وجب القضاء على المريض بقول الله -تعالى-: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)،[١٤] أمّا إن خافتا على طفليهما فقط؛ فقد اختلف العلماء في ترتّب القضاء عليها، وذهبوا في ذلك إلى عدّة أقوالٍ، بيانها فيما يأتي:
    • القول الأول: قال الحنفيّة، وابن المنذر من الشافعيّة بعدم القضاء عليهما.
    • القول الثاني: قال الإمامان؛ الشافعيّ، وأحمد بوجوب القضاء، والإطعام.
    • القول الثالث: قال الإمام مالك بترتّب القضاء دون الإطعام على الحامل، والقضاء والإطعام على المُرضع.
    • القول الرابع: قال ابن عباس، وابن عمر -رضي الله عنهما- بوجوب الإطعام دون القضاء.
  • المريض: يجوز للمريض -إن كان يصعُب عليه الصوم- الإفطار في رمضان، ويجب عليه قضاء ما أفطره بعد انقضاء الشهر، ذلك إن كان مرضه من الأمراض غير المزمنة، ويُمكن الشفاء منها، ولا يترتّب عليه الإطعام، أمّا إن كان من أصحاب الأمراض المُزمنة التي لا يُمكن الشفاء منها، فإنّه يُفطر، ويُطعم عن كلّ يومٍ أفطره مسكيناً، قال الله -تعالى-: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)،[١٥] ومن الجدير بالذكر أنّ المريض مرضاً يسيراً لا يشقّ عليه الصيام فيه، ولا يضرّه، لا يجوز الإفطار في حقّه، ويجب عليه صيام رمضان بإجماع العلماء.[١٠]


الإقامة

تعدّ الإقامة في البلد شرطاً لوجوب الصيام؛ أي أنّه لا يجب على المسافر، إلّا أنّ عليه قضاء ما أفطره بسبب السفر، ولا يختلف الحكم باختلاف وسيلة السفر، واشترط العلماء للإفطار في السفر أن يكون مباحاً؛ فمن سافر لأجل معصيةٍ لا يجوز له الترخّص بالإفطار، كما يُشترط أن تبلغ مسافة السفر ثمانين كيلومتراً تقريباً، ويُشرع المسافر بالإفطار بالعزم على السفر، والخروج من البلد، وإن استطاع المسافر على الصيام دون مشقّةٍ عليه، فالأفضل في حقّه الصيام، أمّا إن وُجد احتمال وجود مشقّةٍ عليه يحتملها، فالأفضل الإفطار بإجماع أهل العلم، وإن شقّ عليه الصيام مشقّةً كبيرةً وشديدةً لا يحتملها وقد تسبّب له الضرر أو الهلاك، فيحرُم عليه الصيام، ويتوجّب عليه الإفطار.[١٦]


العلم بوجوب صيام رمضان

تفرّد الحنفية دون غيرهم من أهل العلم باشتراط "العلم بوجوب صيام رمضان"، ومثال ذلك: المسلم الذي نشأ في غير بلاد المسلمين، ولم يتحصّل له علم بوجوب الصيام.[١٧]


شروط صحّة الصيام في رمضان

الخلوّ من الحيض والنفاس

يُشترط للحكم على الصيام بالصحّة عند الشافعيّة، والحنفيّة، والحنابلة الطهارة من الحيض والنفاس، وغيرهما من مفسدات الصيام، والخلوّ منها، أمّا المالكية فقدّ عدّوا الطهارة منهما من شروط وجوب الصيام،[١٨] ويترتّب على الحائض والنفساء قضاء ما أفطرتا في رمضان، وقد ثبت ذلك فيما رُوي عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلتُ: ما بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، ولَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. فَقالَتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ قُلتُ: لَسْتُ بحَرُورِيَّةٍ، ولَكِنِّي أسْأَلُ. قالَتْ: كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاةِ).[١٩][٢٠]


النيّة

تُعرّف النيّة بأنّها: اعتقادٌ في القلب على فعل أمرٍ ما، والعزم على أدائه، والقيام به من غير تردّدٍ، والنيّة في الصيام يُراد بها: قصده، وقد اتّفق أهل العلم على أنّ النيّة أمرٌ مطلوبٌ في كلّ صيامٍ؛ سواءً كان فرضاً، أم تطوُّعاً؛ لِما ثبت في صحيح البخاري من قول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ)،[٢١] ويُشترط تبييت النيّة من الليل بإجماع العلماء؛ لما روَتْهُ عن عائشة -رضي الله عنها-: (مَنْ لمْ يُبَيِّتْ الصيامَ قبْلَ طُلوعِ الفجْرِ، فلَا صِيامَ لهُ).[٢٢][٢٣]



الهامش


*الاحتلام: ما يراه النائم من المباشرة، أو الجِماع.[٢٤]


المراجع

  1. سورة مريم، آية: 26.
  2. سعيد بن علي القحطاني، الصيام في الإسلام في ضوء القرآن والسنة، صفحة 6-8. بتصرّف.
  3. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة 1663، جزء 3. بتصرّف.
  4. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 3512، صحيح.
  5. ^ أ ب يوسف القرضاوي (1993)، تيسير الفقه في ضوء القرآن والسنة (الطبعة الثالثة)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 41-43. بتصرّف.
  6. رواه الألباني، في صحيح أبي داود، عن جد عمرو بن شعيب، الصفحة أو الرقم: 495، حسن صحيح.
  7. وزارة الأوقاف (1404-1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 20، جزء 28. بتصرّف.
  8. يوسف القرضاوي (1993)، تيسير الفقه في ضوء القرآن والسنة (الطبعة الثالثة)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 44-45. بتصرّف.
  9. محمد رفيق الشوبكي (2015)، دليل الأنام في أحكام الصيام، صفحة 47-48. بتصرّف.
  10. ^ أ ب محمد الشوبكي (2015)، دليل الأنام في أحكام الصيام، صفحة 55. بتصرّف.
  11. ناصر المنيع (2013)، أثر الاستطاعة في الأحكام الشرعية (الطبعة الأولى)، الرياض: دار كنوز اشبيليا، صفحة 271-282. بتصرّف.
  12. سورة الحج، آية: 78.
  13. سورة البقرة، آية: 286.
  14. سورة البقرة، آية: 184.
  15. سورة البقرة، آية: 184.
  16. محمد الشوبكي (2015)، دليل الأنام في أحكام الصيام، صفحة 48-50. بتصرّف.
  17. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة الرابعة)، سوريا: دار الفكر، صفحة 1669، جزء 3. بتصرّف.
  18. أحمد سليمان (1985)، فقه الصيام في الإسلام (الطبعة الأولى)، العراق: مطبعة الزهراء، صفحة 71. بتصرّف.
  19. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 335، صحيح.
  20. وزارة الأوقاف (1404-1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 21، جزء 28. بتصرّف.
  21. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 1، صحيح.
  22. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 6534، صحيح.
  23. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وألته (الطبعة الرابعة)، سوريا: دار الفكر، صفحة 1670-1675، جزء 3. بتصرّف.
  24. إسلام و يب (20-8-2006 م)، "أحكام الاحتلام والجنابة"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2-3-2020. بتصرّف.