ما مصير والدي الرسول

بواسطة: - آخر تحديث: ٢١:٤٩ ، ١٣ أبريل ٢٠١٨
ما مصير والدي الرسول

أهل الفترة

يطلق لفظ أهل الفترة على مَن وصلته الرّسالة ولم تقُم عليه الحُجّة إمّا لجنونه أو لغير ذلك من الأسباب، ويُطلق كذلك على مَن عاش من النّاس في فترةٍ لم يكن فيها تبليغ ولم يُرسل أي رسول من الله تعالى؛ أي من عاشوا في فترة الانقطاع بين الرّسل عليهم السّلام، وقال الله تعالى في القرآن الكريم: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،[١] فكانت المدّة بين النبيّ عيسى -عليه السّلام- وبين بعث محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- ستمئة سنة كما ذكر بعض العلماء، وقيل: خمسمئة وستّين سنة.[٢]


مصير والديّ الرّسول

وردت عدّة أحاديث عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- دلّت على مصير والديه، فجاء رجل إليه يسأله عن مصير والديه؛ أي مصير والديّ الرجل، فقال له الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- بأن والده في النّار، فشُقّ ذلك على الرّجل فأحسّ الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- بذلك وقال له: (إنَّ أبي وأباكَ في النارِ)،[٣] وورد في صحيح مسلم أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- استأذن ربّه ليستغفر لأمّه فلم يأذن له، ثمّ استأذن ليزورها فأذن له، وذهب العلماء في ذلك إلى قولين؛ أحدهما: أنّه لا يجوز أن يستأذن أحد لشخص كافر، فلعلّ والدة الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- بلغها ما يقيم عليها الحُجّة، فلا يجوز حينئذٍ أن يستغفر لها ولا يشفع لها قرابة المقرّبين ولا سوى ذلك، وثانيهما أنّها تُعامل معاملة الكافرين في أحكام الدنيا كأهلّ الجاهليّة والله -تعالى- يحكم بهم يوم القيامة.[٤]

ووردت بعض الأقوال بأنّ الله -تعالى- أحيا والدا الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- فآمنا به وصدّقا برسالة الإسلام ثمّ أماتهما الله تعالى، لكنّ هذا الكلام موضوعاً ولا استقامة فيه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية والكثير من العلماء بأنّ هذا حديثاً موضوعاً كذباً ولا صحّة فيه من جهتين؛ هما: عدم صحّته من جهة إحياء الله -تعالى- للموتى في الحياة الدّنيا، وأن يُعلن أحد النّاس إيمانه بعد الموت ورؤية الحياة الآخرة، وبيّن الله -تعالى- في القرآن الكريم أنّ توبة الإنسان مقبولة قبل موته، أمّا بعد الموت فلا قبول ولا صحّة للإيمان، حيث قال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَـٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا*وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).[٥][٦]


أقسام أهل الفترة

إنّ من عاش من البشر في زمان منقطع من الرّسل عليهم السّلام، وهؤلاء الأقوام مردّهم وحسابهم إلى الله تعالى، وقسّمهم العلماء إلى ثلاثة أقسام بيانها على النحو الآتي:[٧]

  • مَن أدرك الله تعالى ووحدانيّته ببصيرته، فمن النّاس لم يدخل بأي شريعة محدّدة؛ مثل: قسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نُفيل، ومنهم من دخل في شرع الله تعالى؛ كقوم تُبّع.
  • مَن لم يشرك بالله -تعالى- ولم يوحّده ولم يبحث لنفسه على شريعةٍ ومنهجٍ يتبعه، وإّما أفنى عمره في الغفلة واللهو.
  • مَن بدّل شرع الله -تعالى- وأشرك به وعمّ بسببه الفساد بين النّاس بإشاعة الخبائث؛ كعبادة الأوثان وقتل الأولاد خشية الفقر ونشر وأد البنات.


حساب أهل الفترة

قال بعض العلماء أنّ أهل الفترة يُمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع الله -تعالى- في أوامره نجح وأفلح ومن عصاه خسر، وورد أيضاً أنّ النّار تُرفع لأهل الفترة، ويطلب منهم الله -تعالى- أن يدخلوها، فمن دخلها فقد أطاع الله ونجا، ومن رفض دخولها فقد عصاه واستحقّ عذابه، وصحّ هذا القول في كتب بعض العلماء؛ منهم: البيهقيّ في كتاب الاعتقاد، وعارض هذا القول بعض العلماء لأكثر من شُبهة، منها: أنّ الآخرة هي دار ثواب وعقاب وليست دار امتحان واختبار، ولكنّ الإمامين ابن تيمية وابن كثير وغيرهما ذهبوا إلى احتماليّة صحّة الاختبار في الآخرة، ومن بعض ما جاء في ردودهم أنّ القبر وحال يوم القيامة هو إتمام لاختبارات الدّنيا، وإنّما ينتهي هذا بعد الاستقرار في الجنّة أو النّار وبذلك قال ابن كثير، فالآخرة دار قرار بعد ثبوت الجزاء على البشر، أمّا قبل ذلك فقد يمرّ على الإنسان الاختبار، وممّا يدلّ على ذلك قول الله تعالى: ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ)،[٨] فالمؤمنين والمنافقين يُمتحنون يوم القيامة بالسّجودِ لله تعالى.[٩]

وأمّا الشُبهة الأخرى التي ذُكرت في ذلك هي أنّ الله -تعالى- لا يُكلّف نفساً إلّا وُسعها، والطّلب من الإنسان أن يُدخل نفسه في النّار طلب فوق استطاعة الإنسان، والردّ على ذلك أنّ الله -تعالى- يطلب من النّاس جميعاً أن يعبروا فوق جهنّم من خلال المشي على صراطٍ دقيق ورفيع،والمؤمنون يمرّون عليه بحسب أعمالهم وصلاحهم؛ فمنهم من يمرّ كالرّيح ومنهم من يمرّ كالبرق، والمرور على الصراط أصعب وأعظم من إلقاء الإنسان بنفسه في النّار، ومن الرّدود التي تؤيّد هذا الاختبار في الآخرة أنّه ورد في صحيح الحديث أنّ الدجّال يأتي بنارٍ وجنّةٍ ليفتن النّاس، والإسلام أمر المؤمن بأن يشرب ممّا يراه ناراً وسيكون برداً وسلاماً عليه، وهذا يُشابه اختبار الآخرة بعمومه.[٩]


المراجع

  1. سورة المائدة، آية: 19.
  2. "المراد بأهل الفترة ومدتها وحكمهم"، www.fatwa.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-3-29. بتصرّف.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 203، صحيح.
  4. " والدي النبي هل هما من أهل الفترة؟"، www.binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2018-3-29. بتصرّف.
  5. سورة النّساء، آية: 17-18.
  6. "والدا النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة أو في النار؟"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 2018-3-31. بتصرّف.
  7. "أقسام أهل الفترة وموقفهم من سؤال القبر والحساب"، www.fatwa.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-3-31. بتصرّف.
  8. سورة القلم، آية: 42.
  9. ^ أ ب "امتحان أهل الفترة في الآخرة؟"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 2018-3-29. بتصرّف.