ما مصير والدي الرسول

ما مصير والدي الرسول

مصير والديّ الرّسول

تعدّدت أقوال العلماء في مصير والديّ النبي -عليه الصلاة والسلام- على ثلاثة أقوال، وهي كما يأتي:[١][٢]

  • القول الأول: أنّهما في النار، وذهب إلى هذا القول أبو حنيفة، والبيهقيّ، وابن تيمية، وابن كثير، ومن المُعاصرين الألبانيّ، وادّعى المُلا علي بن سُلطان الإجماع على ذلك، واستدلّوا بالحديث الذي أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- فيه أن أباه في النار، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ، أيْنَ أبِي؟ قالَ: في النَّارِ، فَلَمَّا قَفَّى دَعاهُ، فقالَ: إنَّ أبِي وأَباكَ في النَّارِ)،[٣] كما استدلّوا بالأحاديث التي نُهِي فيها النبي -عليه الصلاة والسلام- من الاستغفار لأُمّه، فقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، واسْتَأْذَنْتُهُ أنْ أزُورَ قَبْرَها فأذِنَ لِي).[٤]
  • القول الثانيّ: التوقّف، دون الحُكم عليهما بالجنة أو النار، وذهب إلى هذا القول تاج الدين الفاكهاني، والإمام السخّاوي، وشمس الحق العظيم آبادي، ومن المُعاصرين يوسف القرضاويّ، وجاء عن تاج الدين قوله: "الله أعلم بحال أبويه"، وقال السّخاوي بعدم التعرّض لإثبات مصيرهما أو نفيه.
  • القول الثالث: أنّهما في الجنة، وذهب إلى هذا القول السيوطي، والسِّندي، والطاهر بن عاشور، ومحمد الجزيري، ومحمد الغزاليّ، والخطيب البغداديّ، وابن حجر الهيتمي، وابن شاهين، وذهب إلى هذا القول أيضاً دار الإفتاء المصريّة، وغيرهم، واستدلّ بعضهم بذلك لأنّهما ماتا قبل بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولم تصلهما الدعوة، واستدلّ بعضهم الآخر بأنّهما كانا على ملّة إبراهيم -عليه السلام-؛ وهي التوحيد، أو أن الله -تعالى- أحياهما للنبي -عليه الصلاة والسلام- في آخر عُمره فأسلما، كما استدلّوا بحديثٍ ضعيفٍ لا يصحّ؛ لِما في سنده من الضعف والنكارة، وقد أخرجه ابن شاهين وابن عساكر في كتبهم، وهو أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- ذهب إلى الحجون حزيناً؛ وهي مقبرة أهل مكة، ثُمّ رجع مسروراً، فسألته عائشة -رضي الله عنها- عن السبب، فأجاب أن الله -تعالى- أحيا له أُمّه، فآمنت به، ثُمّ ماتت، وعلق القُرطبيّ فقال: إن هذا من فضائل النبي -عليه الصلاة والسلام-، وليس بعيداً عن الله -تعالى-، فقد جاء في القُرآن إحياء ميّت بني إسرائيل.


مصير أهل الفترة

أهل الفترة هم الذين عاشوا في فترةٍ لم يُبعث فيها نبيّ، ولم تصلهم الدعوة،[٥] وقد اتّفق العُلماء على أنهم لا يُحاسبون على الفروع والتكاليف التي لا مجال للعقل فيها، وتعدّدت آراءهم فيما سواهما من الأصول؛ كالتوحيد والإيمان بالله -تعالى-، وغير ذلك من التكاليف التي يوجد للعقل فيها مجال، وذلك على ثلاثة أقوال، وهي كما يأتي:[٦][٧]

  • القول الأول: أنّهم معذورون؛ لعدم وجود نبيٍّ بينهم، وهو قول جُمهور المُتكلّمين، وبعض الأُصوليّين والمُفسّرين والفُقهاء، وجزم أبو حامد الغزاليّ بدخولهم الجنة، واستدلّوا بعدّة أدلة، فمن القُرآن كقوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)،[٨] وقوله تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ* قَالُوا بَلَى)؛[٩] فكُلّ من يدخُل النار يُقِرّ ببعث نبيٍ إليه، وأهل الفترة لم يُبعث إليهم نبيّ، أمّا الأدلّة من السُنّة فقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كانَ مِن أصْحابِ النَّارِ)؛[١٠] ومفهوم المُخالفة يُفيد أنّ الذي يسمع بالنبيّ ويؤمن به يدخل الجنة، ومن سمع ولم يؤمن دخل النار، ومن لم يسمع فينطبق عليه عكس الحُكم وهو دخول الجنة.
  • القول الثاني: أنّهم في النار؛ لأنهم غير مؤمنين، ولقيام الحُجّة عليهم بالعقل، وذهب إلى هذا القول المُعتزلة، وأكثر الماتُريديّة، ونُقل ذلك عن أبي حنيفة، ومال إليه الفخر الرازيّ، وأبو بكر الصيرفيّ، ونقل الشيخ الأمين الشنقيطيّ أن القرافيّ حكى الإجماع في ذلك، ورجّحه الإمام النوويّ وغيرهم، واستدلّوا بعدّة أدلّة على ذلك، فمن القُرآن الكريم عموم قوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)؛[١١] فكُلّ من لم يؤمن يكون مُشركاً ولا يُغفر له، فيكون مصيره النار، وقوله -تعالى-: (وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)،[١٢] فالآية عامّةٌ في جميع الكافرين، ومن السُنّة عندما سأل رجلٌ النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: (يا رَسولَ اللهِ، أيْنَ أبِي؟ قالَ: في النَّارِ، فَلَمَّا قَفَّى دَعاهُ، فقالَ: إنَّ أبِي وأَباكَ في النَّارِ)،[٣] فوالد النبي ووالد الرجل في النار؛ وقد عاشا في فترة انقطاعٍ للوحي، فيأخذ أهل الفترة نفس حُكمهما.
  • القول الثالث: إن الحُجّة قائمةٌ عليهم بالعقل في الدُنيا، ويستحقّون الذمّ على ما فعلوه من الكفر والمعاصي، وعذابهم في الآخرة مُقترنٌ ببلوغهم رسالة نبيّ، وهو قول بعض الماتُريدية، والكمال بن الهُمام، وابن حزم الظاهريّ، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، ويروْن أنّهم يُمتحنون يوم القيامة بدخولهم في النار، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصا دخل النار، واستدلّوا بحديث النبي -عليه الصلاة والسلام-: (أربعةٌ يحتجّون يومَ القيامةِ: رجلٌ أصمُّ لا يسمعُ شيئًا، ورجلٌ أحمقُ، ورجلٌ هرِمٌ، ورجلٌ مات في فترةٍ. فأمَّا الأصمُّ فيقولُ: ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أسمعُ شيئًا. وأمَّا الأحمقُ فيقولُ: ربِّ جاء الإسلامُ وما أعقلُ شيئًا، والصبيانُ يحْذِفونني بالبَعْرِ. وأمَّا الهَرِمُ فيقولُ: ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أعقلُ شيئًا. وأما الذي مات في الفترةِ فيقولُ: ربِّ ما أتاني لك رسولٌ. فيأخذ مواثيقَهم ليطيعنَه، فيُرْسَلُ إليهم: أنِ ادخلوا النارَ، فمن دخلها كانتْ عليه بردًا و سلامًا، و من لم يدخلْها سُحِبَ إليها)؛[١٣] وهذا دليلٌ على امتحانهم، والله -تعالى- بعلمه يعلم من يُطيع فيُدخله الجنة، ومن يعصي فيُدخله النار.


التعريف بوالدي الرسول

والد النبي -عليه الصلاة والسلام- هو عبد الله بن عبد المُطلب، وهو أصغر أبنائه وأقربهم إليه، ويُكنّى بأبي القثم، وأبي مُحمد، وأبي أحمد، ولقبه الذّبيح، ولُقّب بذلك لأن عدي بن نوفل عيّر عبد المُطلب بعدم وجود ولدٍ له، فنذر عبد المطلب إن وُلد له عشرة أولاد أن ينحر أحدهم عند الكعبة، وعند بُلوغهم عشرة جَمَعهم، وأخبرهم بنذره، فأطاعوه وقالوا له: أوفِ بنذرك، فطلب منهم أن يأخذ كُل واحدٍ منهم بقدحٍ ويضع فيه اسمه، والذي يخرج قدحه يكون هو الذبيح، فخرج قدح عبد الله، فهمّ عبد المُطلب بنحره، فتدخّلت قُريش لمنعه، وأخبرتهم عرّافة خيبر بالدّية عوضاً عن نحره، وهي عشرةٌ من الإبل، فوضعوا قدحاً فيه الإبل، فكُلّما خرج قدح الولد وضعوا مقابله عشرةً من الإبل، حتى خرج قدح الإبل وكانت قد بلغت المئة، فأعاد عبد المُطلب القُرعة بين عبد الله والإبل وهو يدعو الله أن تخرج على الإبل ثلاث مرات، فخرجت على الإبل في الثلاث، ووفّى بنذره،[١٤] وفي ذات يومٍ خرج عبد الله والد النبي -عليه الصلاة والسلام- في تجارةٍ لقُريش إلى الشام، وعند رُجوعهم ووصولهم للمدينة أصابه المرض، وبقي عند أخواله، وانشغل بمرضه عن التجارة إلى أن توفّي، ودُفن بدار النابغة.[١٥]


وأمّا أُمّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- فهي آمنة بنت وهب، وتلتقي بنسبها مع زوجها عبد الله بكلاب بن مُرّة، وجدُّها زُهرة أخو قُصيّ جدّ النبي -عليه الصلاة والسلام- الخامس، وزُهرة وقُصيّ إخوة كلاب بن مُرة، فنسب النبي -عليه الصلاة والسلام- من جهة الأب من بني هاشم، ومن جهة الأُمّ من بني زُهرة،[١٦] ولمّا بلغ النبي -عليه الصلاة والسلام- سنّ السادسة تُوفّيت أُمّه في منطقة الأبواء بين مكّة والمدينة، وذلك بعد رُجوعها من زيارتها معه إلى أخوال جدّه بالمدينة.[١٧]


المراجع

  1. أحمد بن عبد العزيز بن مُقْرِن القُصَيِّر (1430 هـ)، الأحاديْثُ المُشْكِلَةُ الواردةُ في تفسير القرآنِ الكريم (الطبعة الأولى)، السعودية: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، صفحة 316-321، جزء 1. بتصرّف.
  2. دار الإفتاء المصرية (19-11-2014)، "نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم"، www.dar-alifta.org، اطّلع عليه بتاريخ 5-10-2020. بتصرّف.
  3. ^ أ ب رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 203، صحيح.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 976، صحيح.
  5. محمد أحمد إسماعيل المقدم، سلسلة الإيمان والكفر، صفحة 1، جزء 24. بتصرّف.
  6. جميل عبيد عبد المحسن القرارعة (2006)، مصير أهل الفترة وصلة أقوال العلماء في هذه المسألة بأقوالهم في التحسين والتقبيح، الظهران: جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، صفحة 304-306. بتصرّف.
  7. محمد حسن عبد الغفار، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، صفحة 13-15، جزء 35. بتصرّف.
  8. سورة الإسراء، آية: 15.
  9. سورة الملك، آية: 8-9.
  10. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 153، صحيح.
  11. سورة النساء، آية: 48.
  12. سورة النساء، آية: 18.
  13. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن الأسود بن سريع وأبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 881، صحيح.
  14. أحمد أحمد غلوش (2003)، السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 112-113. بتصرّف.
  15. لحسن بن عمر بن الحسن بن حبيب، أبو محمد، بدر الدين الحلبي (1996)، المقتفى من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم (الطبعة الأولى)، القاهرة -مصر: دار الحديث، صفحة 29-30. بتصرّف.
  16. صالح بن عوّاد بن صالح المغامسي، الأيام النضرة في السيرة العطرة، صفحة 7، جزء 1. بتصرّف.
  17. موسى بن راشد العازمي (2011)، اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون «دراسة محققة للسيرة النبوية» (الطبعة الأولى)، الكويت: المكتبة العامرية للإعلان والطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 103-104، جزء 1. بتصرّف.
1046 مشاهدة
للأعلى للأسفل