مراحل تدوين القرآن الكريم

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٥٨ ، ١٠ ديسمبر ٢٠١٨
مراحل تدوين القرآن الكريم

القرآن الكريم

إنّ كتاب الله -تعالى- ذو منزلةٍ رفيعةٍ، وله فضلٌ عظيمٌ في حياة المسلمين، سواءً في الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل، فقد حفظه الله تعالى من كلّ تحريفٍ، أو تبديلٍ، كما أنّه معجزٌ لكلّ البشر، فمن القرآن تستمدّ الأمة عقيدتها، وعبادتها، وأحكامها، وأخلاقها، حيث قال الله تعالى: (إِنَّ هـذَا القُرآنَ يَهدي لِلَّتي هِيَ أَقوَمُ)، وفيما يظاتي بيا معنى القرآن لغةً واصطلاحاً:[١][٢]

  • القرآن الكريم في اللغة: هو اسمٌ مرادفٌ للقراءة، وقيل إنّه مشتقٌ من القرء؛ أي الجمع، حيث جمعت فيه ثمرات الكتب السماوية السابقة.
  • القرآن الكريم في الاصطلاح: هو كلام الله -تعالى- المعجز، المُوحى به إلى محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، بواسطة جبريل عليه السلام، المنقول بالتواتر، المكتوب في المصاحف، المتعبّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس.


نزول القرآن الكريم

لقد أنزل الله -تعالى- القرآن الكريم في أفضل البقاع، وفي أقدس الأزمنة، وعلى أفضل خلقه، وهو النبي محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، بواسطة الوحي جبريل عليه السلام، الذي جاء النبي -عليه الصلاة اولسلام- وهو يتعبّد في غار حراء، ووردت تلك الحادثة في صحيح البخاري من رواية عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: (اقْرَأْ، فقُلْتُ: ما أنا بِقَارِئٍ، فأخَذَني فَغَطَّني حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثم أَرْسَلَني فقال: اقْرَأْ، فقُلْتُ: ما أنا بِقَارِئٍ، فأَخَذَني فغَطَّني الثانيةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثم أَرْسَلَني فقال: اقْرَأْ، فقُلْتُ: ما أنا بِقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثالثةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثم أَرْسَلَنِي فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ -حتى بَلَغَ- عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، فرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوادِرُهُ)،[٣] ومن فضل الله -تعالى- على أمته، ورحمته بها، أن وسّع لها في قراءة القرآن الكريم، فأنزله على سبعة أحرفٍ، حيث قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (أقرأَني جبريلُ عليه السلامُ على حرفٍ فراجعتُه، فلم أزَلْ أستزيدُه فيزيدني، حتى انتهى إلى سبعةِ أحرُفٍ).[٤][٥]


مراحل تدوين القرآن الكريم

شرّف الله -تعالى- أمة محمدٍ -صلّى الله عليه وسلّم- بحفظ كتابها الكريم، فقد قال الله تعالى: (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ)،[٦] حيث كان هذا الحفظ على شقّين؛ حفظٌ في الصدور، وحفظٌ في السطور، حيث تمّ حفظه في الصدور، من محمدٍ -صلّى الله عليه وسلّم- الذي كان يقرأ ويحفظ كلّ آيةٍ تنزل عليه، ثمّ يحفّظها أصحابه، ويحثّهم على حفظه، ثمّ حفظه التابعون، وتوارثته الأمة جيلاً بعد جيل، دون أن ينقص منه أيّ حرفٍ، بسندٍ عالٍ إلى ربّ العزّة سبحانه، وتم حفظه أيضاً في السطور، بمراحلٍ ثلاثٍ، وفيما يأتي بيانها:[٥]


المرحلة الأولى

كانت في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، الذي حرص على حفظ القرآن الكريم، وكتابته في السطور إضافةً لحفظه في الصدور، فقام باتّخاذ كتّابٍ يكتبون كلّ ما ينزل عليه، ومنهم: الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وأُبي بن كعب، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، الذين كانوا يكتبون على الصحف، والعسف، والرقاع، والحجارة، وغيرها من الأدوات، حيث كانت الكتابة حينها عبارةٌ عن كتابةٍ للآيات وترتيبها، ووضع كلّ واحدةٍ منها في مكانها الخاص من سورها، وبشكل متفرّقٍ، فلم تكن مجموعةً في مصحفٍ واحدٍ.[٥]


المرحلة الثانية

كانت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فبعد وفاة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ارتدّت الكثير من قبائل العرب عن الإسلام، فما كان من الخليفة أبي بكر -رضي الله عنه- إلّا أن سعى لإعادتهم إلى الإسلام، حتى وصل الأمر لحدوث معاركٍ طاحنةٍ، شارك فيها عددٌ من الصحابة من حفّاظ القرآن، وقُتل فيها كذلك عددٌ منهم، فخشي الصحابة من ضياع شيءٍ من القرآن الكريم، بذهاب وموت حفظته وقرّائه، وبعد النقاش والتشاور بينهم، اتفق الصحابة على جمع القرآن الكريم في مصحفٍ واحدٍ، وكان ذلك بعد معركة اليمامة، في السنة الثانية عشرة بعد الهجرة، فتمّ اختيار الصحابي زيد بن ثابت -رضي الله عنه- للقيام بهذا الجمع؛ لأنّه من الحفّاظ المتقنين، ومن كتبة الوحي المشهورين، حيث شهد العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، كما أنّه عُرف بعقله الرشيد، وورعه، وعظم أمانته، فجمع القرآن الكريم على أدقّ وجهٍ، وبالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، فأجمعت الأمة على هذا الجمع، وتواتر، ثمّ أُطلق عليه اسم المصحف، فكان بذلك الخليفة الراشد أبي بكر الصديق، أول من جمع القرآن الكريم، وسمّاه مصحف.[٥]


المرحلة الثالثة

كانت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث اتسعت رقعة الخلافة الإسلامية في هذه المرحلة، وانتشر الصحابة والتابعون في مختلف الأقطار والأمصار، ينشرون كلام الله تعالى، ويعلّمونه للناس، كلٌّ منهم معتمداً حرفاً من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، ولكن بعد مرور الأيام وقع شقاقٌ ونزاعٌ بين القرّاء فيما بينهم، وبين كتائب الجيش وغيرهم، في أحقيّة قراءة كلّ جهةٍ منهم، فقام عثمان بن عفان -رضي الله عنه- خطيباً بالناس، وأمرهم بجمع كلّ ما عندهم من الصحف التي جُمعت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكلّف مجموعةً من الصحابة بنسخ مصاحفٍ منها، مراعين أثناء النسخ القراءات الأخرى، وذلك من خلال عدم وضع أي علامةٍ تقصر النطق بالآية على قراءةٍ واحدةٍ إن كان فيها أكثر من قراءةٍ، وبعد الانتهاء من كتابة المصاحف، قام عثمان بن عفان بإرسال نسخةٍ إلى كلّ ناحيةٍ، وترك نسخةً عنده، وبعث مع كلّ محصفٍ واحداً من الصحابة؛ ليقرئ الناس ويعلّمهم.[٥]


فضل قراءة القرآن الكريم

لقد أمر الله تعالى بتلاوة كتابه الكريم، ورتّب على تلاوته وحفظه الأجر والفضل العظيمين، وفيما يأتي بيانٌ لبعض ذلك الفضل:[٧]

  • تحصيل الرفعة في الدنيا والآخرة، ونيل الأجر، ومضاعفة الحسنات عند الله تعالى.
  • إعمار القلب والنجاة من المثل السيء الذي ضربه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، حين قال: (إنَّ الذي ليسَ في جوفِهِ شيءٌ من القرآنْ كالبيتِ الخَرِبِ).[٨]
  • تلاوته نعمةٌ يحسد صاحبها عليها، فقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (لا حسدَ إلا في اثنتَين: رجلٍ آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقوم به أناءَ الليلِ، وآناءَ النهارِ، ورجلٍ آتاه اللهُ مالًا فهو ينفقُه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ)،[٩] والمقصود بالحسد في الحديث الغبطة؛ أي تمنّي ما عند الآخر، دون تمنّي زواله عنه.
  • حفظ العبد في الدنيا من الغفلة، ونيل شفاعة القرآن يوم القيامة.


المراجع

  1. سورة الإسراء، آية: 9.
  2. "تعريف القرآن الكريم اصطلاحاً"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 5-12-2018. بتصرّف.
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 6982، صحيح.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 819، صحيح.
  5. ^ أ ب ت ث ج أبو سليمان المختار بن العربي مؤمن (14-7-2013)، "فضل القرآن الكريم ومراحل تدوينه"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 5-12-2018. بتصرّف.
  6. سورة الحجر، آية: 9.
  7. د. مهران ماهر عثمان، "فضل تلاوة القرآن"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 5-12-2018. بتصرّف.
  8. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 2087، صحيح.
  9. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 815، صحيح.