من كتب صلح الحديبية

كتابة - آخر تحديث: ٠٩:٢٤ ، ٩ أغسطس ٢٠١٨
من كتب صلح الحديبية

صلح الحديبية

حصل صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة، وذلك بعد أن خرج رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- من المدينة المنورة بألفٍ وأربعمئة صحابي، متوجّهاً إلى مكة المكرمة لأداء أول عمرةٍ لهم بعد الهجرة، فأحرموا في الميقات، ثمّ أرسل النبي -عليه الصلاة والسلام- بسر بن سفيان إلى مكة، ليأتيه بأخبار قريش وردة فعلهم، ثمّ انطلقوا إلى مكّة، فلمّا وصلوا إلى عسفان جاءهم بسر بن سفيان، وأخبرهم بأنّ قريش قد استعدت لصدّ المسلمين عن المسجد الحرام، فعقد رسول الله مجلساً للشورى، وأشار عليه أبو بكر الصديق بمتابعة المسلمين المسير نحو مكة لأداء العمرة، وقتال المشركين إن صدوهم عن ذلك، فوافق النبي -عليه الصلاة والسلام- على رأيه، وتابع المسلمين المسير إلى أن وصلوا إلى الحديبية، فبركت ناقة النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا:(خلأت القصواء)، فقال رسول الله: (لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعِظِّمون بها حرماتِ اللهِ إلّا أَعْطَيْتُهم إيَّاها)،[١] فنزل المسلمون في الحديبية، وأرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي للتفاوض مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ أرسلوا سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلمّا رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: (لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكم)،[١] واتفقوا على شروط الصلح، وأخذ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يُملي، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يكتب، إلى أن انتهوا من البنود كلّها.[٢]


كاتب صلح الحديبية

بعد أن تم الاتفاق عى شروط صلح الحديبية بين رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- والمشركين، أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بكتابة تلك االشروط، على الرغم من عدم رضا المسلمون عن تلك الشروط التي اعتبروها مجحفةً في حقّهم، ويرجع السبب في ذلك إلى أنّهم كانوا متأكّدين من دخول البيت الحرام، والطواف فيه كما أخبرهم رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في الرؤية التي رآها، وممّا زاد التذمّر في أنفس الصحابة -رضي الله عنهم- إظهار المشركين حميتهم الجاهلية أثناء كتابة البنود، حيث رفضوا كتابة بسم الله الحمن الرحيم، ورفضوا الاعتراف بنبوّة الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد روى الإمام مسلم عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال له: (اكتب الشرطَ بيننا، بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما قاضى عليهِ محمدٌ رسولُ اللهِ)، فقال له المشركون: (لو نعلمُ أنك رسولَ اللهِ تابعناك، ولكن اكتب: محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، فأمر عليّاً أن يمحاها، فقال عليٌّ: لا واللهِ، لا أمحاها، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أرني مكانها، فأراهُ مكانها، فمحاها، وكتب ابنُ عبدِ اللهِ)،[٣] وفي رواية عن الإمام البخاري ورد أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- دعا الكاتب يوم الحديبية، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، قال سهيلٌ: أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ، فقال المسلمون: واللهِ لا نَكْتُبْها إلّا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، ثمّ قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ، فقال سهيلٌ: واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك، ولكِنْ اكتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: واللهِ، إنّي لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني، اكتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ الله).[٤][٥]


شروط صلح الحديبية

على الرغم من أنّ بعض الصحابة -رضي الله عنهم- شعروا بعدم الرضا عن بعض شروط صلح الحديبية؛ لأنّهم اعتقدوا أنّ فيها إجحافٌ بالمسلمين، إلّا أنّ صلح الحديبية كان البداية لفتح مكة، وما لحقها من الفتوح الإسلامية، وفيما يأتي استعراض لبنود الصلح:[٦]

  • عدم دخول المسلمين إلى مكة في ذلك العام، ورجوعهم إلى المدينة على أن يدخلوها في العام الذي يلي الصلح، ويقيموا فيها ثلاثة أيام بعد خروج أهلها منها، وألّا يحمل المسلمين معهم من السلاح إلّا سلاح الراكب، ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ هذا البند كان دليلاً واضحاً على تغيير موازين القوى بين المسلمين وقريش، إذ إنّ قريش صاحبة القوة المادية، والعسكرية، والاقتصادية بالكاد استطاعت حفظ ماء وجهها بعدم دخول المسلمين إلى مكة عنوةً، وأجلّت دخولهم للعام التالي، بعدما كانت تستضعف المسلمين، وتعذّبهم طوال ثلاثة عشر سنة في مكة، وبعد أن حاولت إبادتهم في يوم الأحزاب قبل أقلّ من سنةٍ من تاريخ الصُلح، فتغيّرت الأحوال بعد ذلك كلّه، وأصبحت تفتح أبواب مكة أمام المسلمين دون أي مقاومةٍ، بعد أن عجزت عن مقارعة دولتهم الفتيّة.
  • الالتزام بعدم القتال بين الطرفين لمدة عشر سنوات؛ ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا البند كان يصبّ في مصلحة المسلمين فهم يحتاجون إلى الأمن لبناء دولتهم الناشئة، ولنشر دعوتهم في الجزيرة في جوٍ يسوده الأمن والطمأنينة، وأمّا قريش فلا تحتاج لهذه المدّة؛ لأنّ دولتهم قائمةً من قبل الصلح بمئات السنين.
  • حرية الانضمام إلى أي الطرفين؛ حيث إنّ القبيلة التي تريد الانضمام إلى حلف المسلمين أو قريش، فلا بأس بذلك، وتعتبر تلك القبيلة جزءاً من ذلك الطرف، والاعتداء عليها يعتبر اعتداءً على الطرف نفسه.
  • من جاء قريشاً هارباً من المسلمين لم يرد إليهم، ومن أتى إلى المسلمين من غير إذن وليه؛ أي هارباً منه يردّونه إليهم؛ وكما يبدو ظاهرياً من الجزء الأول من هذا البند أنّه يصبّ في مصلحة قريش، ولكنّه في الحقيقة يخدم مصلحة المسلمين؛ إذ إنّ المفسدة المترتبة على ردة أحد الموجودين في المدينة المنورة، وثمّ رجوعه إلى قريش، أقل بكثير من مفسدة بقائه بين المسلمين منافقاً متخفياً بزي الإسلام، وقد قال الله تعالى: (لَو خَرَجوا فيكُم ما زادوكُم إِلّا خَبالًا وَلَأَوضَعوا خِلالَكُم يَبغونَكُمُ الفِتنَةَ وَفيكُم سَمّاعونَ لَهُم وَاللَّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ)،[٧] وأمّا الجزء الثاني من هذا البند وهو إرجاع من جاء هارباً من قريش إليهم فهذا في مصلحة قريش؛ لأنّ المسلمين سيخسرون بذلك رجل من رجالهم المخلصين، وهذا هو البند الذي جعل الصحابة -رضي الله عنهم- يشعرون بالإجحاف في صلح الحديبية، ولكن لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ العائد من المسلمين إلى قريش سيسبّب لهم الاضطرابات، وقد يكون عيناً للمسلمين في مكة.


المراجع

  1. ^ أ ب رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن المسور بن مخرمة و مروان بن الحكم، الصفحة أو الرقم: 2731، صحيح.
  2. "الفتح في صلح الحديبية"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 6-8-2018. بتصرّف.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم: 1783، صحيح.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن المسور بن مخرمة و مروان بن الحكم، الصفحة أو الرقم: 2731، صحيح.
  5. "شروط صلح الحديبية وموقف الصحابة منه"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 6-8-2018. بتصرّف.
  6. "وقفات مع بنود صلح الحديبية وتوثيقه"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 6-8-2018. بتصرّف.
  7. سورة التوبة، آية: 47.