تاريخ كتابة القرآن الكريم

كتابة - آخر تحديث: ١٦:٣٨ ، ٢٥ أغسطس ٢٠٢٠
تاريخ كتابة القرآن الكريم

حفظ القرآن الكريم

ختم الله -تعالى- الكتب السماويّة بالقرآن الكريم؛ فكان هو آخر ما نزل من وحيٍ على البشرية، وقد تكفّل الله -عزّ وجلّ- بحفظه فقال: (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكر وإِنّا لهُ لَحافِظون)؛[١] فحفظه -سبحانه وتعالى- من أيّ تحريفٍ أو تغييرٍ دون غيره من الكتب السماويّة الأخرى، وقد تكفّل الله -تعالى- ببقاء القرآن الكريم وخلوده، حيث جعله حجّةً للبشريّة إلى قيام الساعة، وهو حجّةٌ على فصحاء العرب وأهل اللغة؛ بنظمه ونسقه اللغويّ، وحجّةً بحكمه وعلمه على أهل العلم من العرب وغيرهم، وقد تحدّى به الله -تعالى- جميع الناس، وما استطاع أحد منهم أن يكشف أيّ خللٍ فيه، لذلك ينفي الله -تعالى- عن القرآن الكريم أيّ نقصٍ، أو ريبٍ؛ فقال -سبحانه وتعالى-: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).[٢][٣]


تاريخ كتابة القرآن الكريم

كتابة القرآن الكريم زمن النبيّ

نزل القرآن الكريم على النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بوساطة الوحي، وقد تكفّل الله -تعالى- لنبيّه بحفظه، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- أُميّاً، حيث كانت الأميّة منتشرةً بين العرب في ذلك الحين، إلّا أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أمر الصحابة -رضي الله عنهم- بكتابة القرآن الكريم؛ لحفظه بين الصحابة والمسلمين على مدار العصور، وكان يُشجّعهم على أمر الكتابة، وقد جعل فداء من يعرف الكتابة من أسرى بدرٍ أن يُعلّم عشرةً من المسلمين الكتابة، ومن أشهر كتّاب الوحي الصحابيّ الجليل زيد بن ثابت الأنصاري -رضي الله عنه-؛ فقد ورد عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه كان كثيراً ما يستدعي زيداً عند نزول الوحي؛ فيقول: (ادْعُ لي زَيْداً ولْيَجِئْ باللَّوْحِ والدَّوَاةِ والكَتِفِ، أوِ الكَتِفِ والدَّوَاةِ)،[٤] فقد بدأ تدوين القرآن الكريم وكتابته في عهد النبيّ محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-، وإن لم يكن مجموعاً في كتابٍ واحدٍ آنذاك، حيث كان محفوظاً في الصدور غيباً، ومكتوباً على الرقاع والعسب، والألواح المتفرّقة بين الصحابة في وقتها.[٥] ومن الأدلّة على كتابة القرآن الكريم في عهد النبوّة ما يأتي:[٦]

  • ذكر لفظ الكتاب في القرآن الكريم بأكثر من آيةٍ كريمةٍ؛ كقول الله -عزّ وجلّ-: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ)؛[٧] فوصف القرآن الكريم بالكتاب يلزم منه أنّه مكتوب.
  • نهي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عن السفر بالقرآن الكريم، فقد ورد عنه -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (لا تُسافِرُوا بالقُرْآنِ، فإنِّي لا آمَنُ أنْ يَنالَهُ العَدُو)،[٨] ففي هذا النهي دليلٌ على أنّ القرآن الكريم كان مكتوباً في عصر النبوّة.
  • ثبوت تكليف النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لبعض الصحابة -رضي الله عنهم- بكتابة ما ينزل من الوحي، وكانوا يُعرفون بكُتّاب الوحي؛ فقد ورد عن البخاري أنّ أبا بكرٍ -رضي الله عنه- عندما طلب من زيدٍ ين ثابت -رضي الله عنه- جمع القرآن قال له: (كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ).[٩]
  • مراجعة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لما كان يكتبه الصحابة من آياتٍ قرآنيّةٍ.

وقد كان عدد من الصحابة الكرام قد كلّفهم النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بكتابة القرآن الكريم، ومنهم أبي بكرٍ الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن سعيد بن العاصي، وحنظلة بن الربيع، والزبير بن العوام، وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، وعبدالله بن الأرقم، والمغيرة بن شعبة، وعبدالله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس، وغيرهم من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين-.[١٠]


وقد اعتمد كُتّاب الوحيّ على ما كان يُمليه عليهم رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فيما يتعلّق في ترتيب آيات الكتاب، وقد ورد عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنّه قال: (كان رسولَ الله -صلَّى اللَه عليهِ وسلَّمَ- ممَّا يأتي عليهِ الزَّمانُ تنزلُ عليهِ الآيات ذواتِ العددِ، فيدعو بعضَ من كان يَكْتبُ فيقولُ: ضعوا هؤلاءِ في السُّورةِ التي يذكرُ فيها كذا وَكَذا، وتنزلُ عليهِ الآيةُ فيقولُ: ضَعوا هذِهِ السُّورةَ التي يذكَرُ فيها كذا وَكَذا)،[١١] وقد استعان كُتّاب الوحيّ -رضي الله عنهم- في تدوين القرآن الكريم بأغصان النخيل، والأخشاب التي توضع على ظهر الدابّة ليُركب عليها، وبعض الحجارة الصغيرة والتي يُطلق عليها اسم اللُّخاف، وغيرها من الأدوات المتعارف عليها في ذلك العصر؛ كقطع الجلود والعظام.[١٠]


كتابة القرآن الكريم زمن أبي بكر الصديق

دُوّن القرآن الكريم في حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فكان ترتيب آياته وسوره كما أمر النبيّ -عليه الصلاة والسلام- في ذلك، إلّا أنّه لم يُجمع في كتابٍ واحدٍ في عصر النبوّة؛ لاحتماليّة نزول المزيد من الآيات القرآنيّة، أو نسخ بعضها في حياة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، أمّا بعد وفاته -عليه الصلاة والسلام- ونتيجةً لكثرة قتل حفظة القرآن الكريم من الصحابة في عهد الخيفة أبي بكرٍ الصديق -رضي الله عنه-، أصبح حفظ القرآن الكريم بترتيبه مهدداً؛ فجمع أبو بكر -رضي الله عنه- الصحابة واستشارتهم في جمع القرآن الكريم في مصحفٍ واحدٍ، فأقرّ الصحابة ذلك؛ فجمعه واحتُفِظ به عند أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر -رضي الله عنهما-.[١٢]


وكان صاحب اقتراح جمع القرآن الكريم في مصحفٍ واحدٍ هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وبعد ذلك انتدَب أبو بكرٍ لهذه المهمة الصحابي الجليل زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، لاجتماع الخيريّة والمواهب فيه أكثر من غيره من الصحابة -رضي الله عنهم-، وكان قد شهِد العرضة الأخيرة للوحي في آخر عامٍ للنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وكان من كُتّاب الوحيّ وحفظة القرآن الكريم، وقد اتّخذ زيد في جمع القرآن الكريم منهجاً كان من اقتراح أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهم-، حيث يقوم على تتبّع الآيات المحفوظة غيباً والتقصّي عن صحّتها؛ بما يليق بمكانة ومنزلة كتاب الله -تعالى-، واعتمد في جمعه على أمرين اثنين؛ جمع ما كان محفوظاً في صدور الصحابة الكرام، وجمع ما دوّن من آيات كريمة في عهد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وبين يديه، وكان يشترط شهود شاهدين عدلين من الصحابة على أنّ هذه الآيات ممّا كُتبت بين يدي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-.[١٣]


كتابة القرآن الكريم زمن عثمان

استلم عثمان بن عفان -رضي الله عنه- الخلافة وكان القرآن الكريم قد جُمِع في مصحفٍ واحدٍ، إلّا أنّه قام بخلافته -رضي الله عنه- بنسخ القرآن الكريم إلى ستّ نسخٍ، وكانت جميعها بطريقةٍ واحدةٍ وعلى حرفٍ واحدٍ؛ وهو لسان قريش، وعندما كلّف عثمان بن عثمان -رضي الله عنه- مجموعةً من الصحابة بنسخه قال لهم: (إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنتُمْ وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ في شيءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بلِسَانِ قُرَيْشٍ، فإنَّما نَزَلَ بلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حتى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ في المَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إلى حَفْصَةَ، وأَرْسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا، وأَمَرَ بما سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ في كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ، أنْ يُحْرَقَ)،[١٤] ووزّع عثمان -رضي الله عنه- هذه النسخ على عدّة مناطق؛ فأرسل ثلاثة نسخٍ منها إلى دمشق والكوفة والبصرة، وأرسل نسختين إلى مكة المكرمة والبحرين، وجعل له نسخةً واحدةً من القرآن الكريم في المدينة،[١٥] وقد اتّبع الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- منهجاً دقيقاً يضمن صحّة نسخ القرآن الكريم، وفيما يأتي ذكر أبرز ما فعله -رضي الله عنه-:[١٦]

  • رفض ضم أيّ شيءٍ للقرآن الكريم قبل عرضه على حملة القرآن الكريم من المتمكّنين منه من الصحابة، والتأكّد من أنّه قرآن متلو، وغير منسوخ بآيات أخرى.
  • كتابة الكلمات القرآنية التي تُقرأ بأكثر من وجهٍ برسمٍ قرآنيّ واحدٍ؛ كحذف حرف الألف من كلمة (ملك)، أو بعض الكلمات التي لا تقرأ إلّا بوجهٍ واحدٍ، ولكن تحذف الألف فيها لكثرة تكرارها؛ مثل كلمة (العلمين)، وكلمة (الرحمن).
  • تجريد الكلمات القرآنيّة من النقاط والتشكيل في النسخ القرآنيّة كاملةً.


المراجع

  1. سورة الحجر، آية: 9.
  2. سورة فصلت، آية: 42.
  3. مجموعة من المؤلفين، كتاب مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المدينة المنورة: موقع الجامعة الإسلامية، صفحة 395، جزء 14. بتصرّف.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم: 4990، صحيح.
  5. د.غانم قدوري الحمد (2012)، الميسر في علم رسم المصحف وضبطه، جدة: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، صفحة 31-34. بتصرّف.
  6. علي بن سليمان العبيد، جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، صفحة 20-23. بتصرّف.
  7. سورة البقرة، آية: 2.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 1869، صحيح.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن زيد بن ثابت، الصفحة أو الرقم: 4986، صحيح.
  10. ^ أ ب فهد الرومي (2003)، كتاب دراسات في علوم القرآن (الطبعة الثانية عشرة)، صفحة 74-75. بتصرّف.
  11. رواه ابن حجر العسقلاني، في موافقة الخبر الخبر، عن عثمان بن عفان، الصفحة أو الرقم: 1/44، حسن.
  12. النووي (1994 م)، كتاب التبيان في آداب حملة القرآن (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 185-186. بتصرّف.
  13. محمد شملول (2006)، إعجاز رسم القرآن وإعجاز التلاوة (الطبعة الأولى)، القاهرة: دار السلام، صفحة 24-25. بتصرّف.
  14. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 4987، صحيح.
  15. وهبة الزحيلي (1418 هـ)، التفسير المنير للزحيلي (الطبعة الثانية)، دمشق: دار الفكر المعاصر، صفحة 22-23. بتصرّف.
  16. عبد القيوم عبد الغفور السندي، كتاب جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين - عبد القيوم السندي، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، صفحة 39-40. بتصرّف.